الزمان: أبريل (نيسان) عام 2008

المكان: أحد أماكن التسجيل في بيروت.
شابٌّ يصغرني بسنتين، يلتزم أعلى درجات الأدب والصبر، يبدو عليه الملل من طلباتٍ يراها مبالغاً فيها، لكن، يبدو عليه إعجاب بالشكل العام للعمل محطّ التسجيل.

الزمان: أبريل (نيسان)، 2010
المكان: إحدى قاعات التدريب في أبو ظبي تحضيراً لحفل مجموعة «أصيل» في مهرجان الموسيقى الكلاسيكية العالمية. الشاب نفسه يقول: أنتظر قانوني الجديد بفارغ الصبر، هذا القانون يا أخي ما بلبّيني!
قبل المشهد الأول بواحدٍ وعشرين شهراً، دخل الشاب نفسه درساً كنت أدرّسه في المعهد العالي للموسيقى في الجامعة الأنطونيّة آنذاك، وهو فنّ الارتجال.
يتجاوب الشاب معي في الصف، متمرّدٌ لا يقبل المعلومة دون تمحيصها، بل قد يرفضها، ثمّ يعاودني فيها بعد سنين، دون مبالغة، يستغرب هو سعة صدري لهذا التمرّد أحياناً، والواقع أنّي استغربتُ نفسي، فأنا أعلم بحالي وبقدراتي المتواضعة جدّاً في التعليم، لكن هذا هو سرّ ما تعلّمتُه أنا في صغري، حين كنت مريداً لا تلميذاً في مدرسة. السرّ أنّ علاقة الأستاذ والطالب في سائر المراحل التعليمية تُفرض على الجانبين. أمّا علاقة المُرشِد والمريد، فإمّا أن تفرض نفسها على الطرفين، أو تنأى بالطرفين بعضهما عن بعض...
إنّ هذا الشاب الواعي المثقف الساعي إلى إثبات نفسه على الساحة النغمية لا يفرقه عن غيره سوى الاستعداد الفطري للتجدد. رفضه لفكرة الأبعاد الدقيقة في النغم، وبعد عامين يصبح واحداً من أهمّ المبشّرين بها، بالفعل لا القول. فهمٌ عميقٌ لأهميّة الإرث، وفهمٌ عميقٌ لأهميّة الجديد. الجديد لا الاستيراد. إنّنا يا سادتي الكرام بصدد إعلان جيلٍ ثانٍ من تطويرٍ جدّي للنغم العربي الفصيح. إنّني الآن في تمام حبوري وسعادتي، لا لشيءٍ يخصّنِي كشخص، أي أنّ الإصدار الذي يصدر للأستاذ غسّان سحّاب هو إصدارٌ لأخٍ وزميلٍ ومُريدٍ وأستاذٍ ما شاء له من العلم في النغم، لكنّ فرحتي وحبوري ناجمان عن جيلٍ جديدٍ يواصل النهج لمواصلة النغم العربي الفصيح وتطويره. بكلّ شيءٍ في الإصدار، ما اتّفقتُ في الرأي مع غسّان وما اختلفتُ معه فيه. فلو كان هذا الإصدار يمثّلني فحسب، لخفت على هذا النهج من عدم المواصلة. أما وأنّ هذا الإصدار يمثّل نفسه، فإنّني أستطيع التأكيد لكم أنّه لو واتت الظروف، فإنّنا وأبناءنا وأحفادنا وأحفادهم، سنواصل هذا النهج لأجيالٍ طويلةٍ ومديدةٍ كما واصلها أسلافنا لقرونٍ مضت.
لا عدِمَت الموسيقى الفصحى العربيّة شباباً يُخلص لها ويجدّد دماءها.
* موسيقي وباحث في علم الموسيقى