24 عاماً مرت على اتفاقية أوسلو، تغيّرت خلالها الصورة التي تمسّكت بها بعض الوجوه الأوروبية باعتبارها بداية حلّ للصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي، وتكريساً لـ«السلام».


الاتفاق المهين الذي منح الكيان المحتل 78% من الأراضي الفلسطينية، وأبقى على الضفة الغربية وغزة ضمن «الحكم الذاتي» للسلطة الفلسطينية، وسط استمرار عمليات القضم والاستيطان، وإمعان «إسرائيل» في غطرستها وإجرامها وممارساتها الوحشية بحق الفلسطينيين... هذه الصورة لم تهزّ الرسام الفرنسي الشهير «بلانتو» (1951) الذي ما زال يروّج لـ«السلام»، ويريد أن يقنعنا بأنّ إجرام «إسرائيل» لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة! رسام صحف «لو موند» و«لو بوان» و«اكسبرس» الموجود حالياً في بيروت، بدعوة من «مؤسسة بيار صادق»، ليرأس اللجنة التحكيمية لمسابقة «ريشة بيار صادق» التي انطلقت أخيراً، كانت له زيارة لرئاسة الجمهورية. كذلك حطّ معرض له، وللمنظمة التي يرأسها Cartooning for Peace (رسوم من أجل السلام ــ أسّسها عام 2006) في «الجامعة الأنطونية»، وتحديداً في «كلية الإعلام والتواصل»، حيث كانت له مشاركة في ندوتين: الأولى تناولت «الرسم دون حدود». أما الثانية فـ«قلق الورقة البيضاء»، التي تحدث فيها عن كيفية استقائه للفكرة قبيل البدء بالرسم. في الرواق المؤدي الى صالة الندوة في «الأنطونية»، اصطفت رسومات تندرج ضمن «رسوم من أجل السلام» التي تضم رسامي كاريكاتور من كل أنحاء العالم (145) من ضمنهم إسرائيليان اثنان! في مجموع هذه الرسوم، محاور عدة، تتحدث عن الهجرة، واللاجئين، والحدود، و«السلام»، والعنف... الى جانبها مجموعة نصوص قصيرة. الناظر في الرسوم، والقارئ لهذه النصوص، سيلحظ خطورة ما تروّج له في بيروت، وبين طلاب وطالبات من «الأنطونية»، وآخرين أتوا زائرين من «كلية الفنون». تروّج النصوص المكتوبة بالفرنسية لمفهوم «السلام» بوصفه بديلاً من العنف، وتحضّ على «الاتحاد»، ونبذ الخوف من الآخر. هذه النصوص أيضاً تتحدث عن «لغة الأمل» في رؤية «الأعلام الفلسطينية والإسرائيلية» متحدة! والأخطر أيضاً اعتبار الصراع بين الصهاينة والفلسطينيين «سياسياً»، كذلك روّجت لحل «الدولتين» الذي أقرّته «الأمم المتحدة» عام 1947. هذا في النصوص... أما في الرسوم التي توزعت تبعاً للمحاور المطروحة، فكان لافتاً تعمّد رسم الفلسطيني مع كوفيّته والى جانبه الإسرائيلي، مرة على شاكلة رجلين يتعانقان كما برز في رسمة الإيطالي مورو بياني (مستقبل السلام للشرق الأوسط)، ومرة على يد بلانتو ورسمته الشهيرة «إسرائيل ــ فلسطين: هل يمكننا أن نفكر يوماً بالسلام؟». في هذه الرسمة، يضع بلانتو رجلين يتأرجحان (الفلسطيني والإسرائيلي) في الهواء، ويقومان بتبادل الهلال (الإسلام)، ونجمة داوود، مذيّلة بمقولة عربية: «الأراجيح الأكثر صلابة هي المعلقة بين النجوم». أما الطامة الكبرى، فوضع رسوم للبناني ستافرو جبرا الذي ينتمي الى هذه المنظمة أيضاً. من أعمال ستافرو المعروضة، رسمة لأمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله، تعود إلى زمن «مؤتمر باريس 3»، والى جانبها رسمة أخرى يصوّر فيها جبرا «إرهاب داعش»، وأخرى تتناول «داعش» وهجماته على تونس والكويت وفرنسا. طبعاً، هذا الجمع غير البريء بين جماعة إرهابية دموية، ونصرالله، يحيلنا أكثر إلى التفكير في خطورة ما يلصق على جدران الجامعات، وما يخفيه من رسائل مبطنة! أضف الى ذلك رسوم تساوي بين الدمار الذي خلفته اعتداءات إسرائيل على لبنان وبين عمليات المقاومة.


حلّ رسام الكاريكاتور الفرنسي بلانتو ضيفاً على الجامعة مع معرض تجاهل جرائم اسرائيل

بلانتو الذي ما زال يروّج بسذاجة لـ«السلام» بين محتلّ لأرض وأصحاب هذه الأرض، يحاول في بعض رسوماته، تبيان مناصرته للشعب الفلسطيني من منطلق سطحي، واضعاً إياه على قدم المساواة مع جلاده! مثلاً، يصوّر أنفاق «حماس» في غزة مقابل كمّ الأسلحة الأميركية التي تزوّد بها الصهاينة. الرسام الذي اتّهم مرات عدة بـ«معاداة السامية» لانتقاده ممارسات «إسرائيل» أيضاً، يركز في كل رسوماته على فصل «الإرهاب» عن الإسلام. كذلك ينتقد بشدة الكنائس الكاثوليكية على خلفية فضائح البيدوفيليا التي هزّت أركانها. إزاء هذا العمل المخضرم في فن الكاريكاتور، لم يجر بلانتو أي مراجعة عبر هذه السنوات، ولم يفطن بعد أنّ هناك احتلالاً واغتصاباً لأرض، وليس صراعاً سياسياً يحلّ «حبيّاً» تحت راية الترويج لـ«السلام»!
لننسَ بلانتو وأفكاره التي يرّوج لها. لكن ماذا عن اللبنانيين؟ عن الصروح الجامعية التي استقبلته؟ وعن دسّ أفكار خطرة عبر الرسوم؟ ماذا عن الإعلام؟ رأينا mtv قبل أيام تجري مقابلة معه، تحت عنوان «كاريكاتور عالمي في مواجهة الإرهاب». تقرير (جويل قزيلي) يمدح فن الكاريكاتور الذي «صنع السياسات» ويعيد بث الفيديو الشهير لياسر عرفات، وهو يرسم العلمين الإسرائيلي والفلسطيني أمام بلانتو. وبعد عام، يأتي شمعون بيريز ليوقّع هذه الرسمة. التقرير لم يُجرِ أيّ مساحة نقدية لما يظهر على الشاشة، بل «ثابر» على تبيان هذه الصورة بكل تجلياتها، وهذا الأمر ليس مستغرباً على شاشة المرّ.

كاريكاتور عالمي في مواجهة التطرف