عمان | عندما يشتبك سرد هشام البستاني (1975) مع رسم رفيق مجذوب (1971)، ستكون النتيجة «الخراب» بشكل لم تروه من قبل... مرآة لما يحدث اليوم على رقعة العالم العربي. قبل أيام، احتضن «المركز الثقافي الملكي» في عمان «اشتباكاً» سردياً تشكيلياً ممسرحاً قدمه الكاتب والقاصّ الاردني، والتشكيلي اللبناني الأردني تحت عنوان ««الخراب: رؤيةٌ لنهاية... Welcome 2017».


على الخشبة، قدم البستاني سرده المسكون بالغموض والبلاغة والجرأة التي تحاكي لغة الشارع حيناً وتصعد إلى مصافي الشعر في أحيان أخرى. وعلى موسيقى كلمات البستاني، رسم مجذوب لوحته التشكيلية التي كانت تحاكي ما يسرده البستاني من مزيج واقعي سوداوي مختلط بالفانتازيا والسوريالية.
في مشاركته الأولى مع البستاني والأولى أيضاً على المسرح الأردني، لم يفلت مجذوب سيجارته طوال رسمه ولم يلتفت إلى الجمهور كأن تلك الرسمات مقتبسة من «ذاتي التي ترفض الوقوف تحت الضوء». جاءت كابوسية غاضبة، باحثة عن اشتباك جديد مع الواقع المزري والبشاعة التي تحيط بهذا الواقع.
أما الكاتب والقاصّ هشام البستاني، فهذا الاشتباك لم يكن الأول من نوعه. في عام 2012، قرر إدخال الفنون الأخرى، ليس في كتابته فحسب، بل أيضاً إلى خشبة المسرح. إشراكه فنانين ومغنين وراقصين في مشروعه، ساعده على نقل النص من الصفحة إلى المسرح، فيما جعله إدخال الفنون التشكيلية والسينما إلى كتابته، يتعلم منهما كيفية التحكم بالزمان والمكان والفراغ.


حوارية عكست واقعنا
العربي الذي يلفّه السواد

لطالما اشتبك البستاني مع الواقع ومشكلاته، ومجموعته «عن الحب والموت» (2008) التي حظيت بحفاوة نقدية وإقبال كبير، كانت الأكثر بلاغة وقوةً في مواجهة الواقع. ما يميز البستاني عن أبناء جيله هو قدرته على الانخراط في العمل العام بشغف. هو أمين سر «منتدى الفكر الاشتراكي» في الأردن، وأحد مؤسسي «التحالف الشعبي العربي المقاوم»، وناشط في لجان مقاومة التطبيع والحريات. شارك كمنظم ومتحدث في العديد من المؤتمرات والمنتديات العربية والعالمية المناهضة للهيمنة والعولمة والإمبريالية. وقد اختارته مجلة «إينامو» الألمانية أحد أبرز الكتّاب العرب الجدد، ونشرت ترجمة لقصص له بالألمانية ضمن العدد الخاص بـ «الأدب العربي الجديد» (شتاء 2009). وقد اختارت مجلة «وورلد ليتريتشر توداي» الأدبية الأميركية قصته «التاريخ لا يصنع على هذه الكنبة» لتكون ضمن ملفها المخصص لنماذج مختارة عالمياً من القصة القصيرة جداً عام 2012 . كذلك احتفى القسم الخاص بالأدب المترجم في مجلة «ذي سانت آنز ريفيو» الأدبية الأميركية بقصته «كوابيس المدينة»، فنشرت القصة مترجمة عام 2012.
ذلك التشابه بين افكار البستاني ومجذوب والتقارب الكبير بين السرد والرسم التشكيلي، أضفيا رونقاً جميلاً على هذا الاشتباك الذي كان يعكس في كل زوايا المسرح، جزئية من واقعنا، وطبيعة الوضع الراهن في مجتمعاتنا وحياتنا اليومية التي يلفّها السواد والمآسي والدمار.