أن يرحل ملحم عماد (يوم الجمعة) في هذا الزمن، أي أنّ قطعة من بازل الزمن الجميل اختفت عن وجه الخارطة. هذا الكاريكاتوري الطيب، رسم شمعون الأب وفرنجية الأب وجنبلاط الأب، والجميل الأب. ثم عاد ورسم الأبناء في هذا البلد السوريالي المقزز! مقزز لأن الفرصة بالتغيير لا تجد لها منافذ، ومقزز لأنّ فناناً مثل ملحم عماد يرحل بهدوء، بلا صخب، ولا أوسمة، ولا تكريم.


للكاريكاتور في لبنان قصة قصيرة، أبطالها مجلتا «الدبور» و«الصياد»، وفرسانها ثلة من الدونكيشوتيين الذين يحملون أقلامهم ليناطحوا طواحين الهواء. أول رسام كاريكاتور في لبنان كان اللبناني من أصل تركي عزت خورشيد، لكنه كان يرسم في «الدبور» من دون توقيع لأنه كان موظفاً في دائرة البوليس، ثم أصبح رئيساً للبروتوكول في وزارة الخارجية. علماً أنّ التشكيلي مصطفى فروخ نشر رسوماً كاريكاتورية في مجلة «النديم» سنة 1926.
ومن الرواد في لبنان، لا بد من الوقوف عند تجربة ديران عجميان الأرمني المولود في حلب عام 1905. ثم جاء جيل بيار صادق، وجان مشعلاني، وملحم عماد، ونيازي جلول، ومحمود كحيل وحبيب حداد، تلاهم نبيل قدوح وستافرو جبرا. ثم كان الجيل الثالث، ايلي صليبا، ومحمد نور الدين، وحسن بليبل، وارمان حمصي، وانطوان غانم وكاتب هذه السطور. ملحم عماد من الفنانين النادرين الذين طوّعوا الريشة كأنه يرسم بحبر من مطاط، واستطاع بأفكاره البكر أن يبعث الدهشة في نفس المتلقي. التزم خطاً عروبياً خوّله في الكثير من الأحيان الخروج عن سمفونية الكاريكاتور اللبناني المغرق في المحلية.
ولد ملحم عماد في بلدة دير الأحمر (البقاع - عام 1939) وظهرت أولى محاولاته على صفحات «الصياد» عام 1961 ثم رسم في «السياسة»، و«بيروت المساء». سافر إلى مصر لتعميق تجربته وعمل أشهراً في مجلتي «روز اليوسف» و«صباح الخير».
عام 1962، بدأ في جريدة «الحياة» حتى 1975، كما نشر في «البيرق»، و«الدنيا»، و«اللواء»، و«الجمهور الجديد»، و«الديار». ومنذ عام 1975، رسم بشكل منتظم في «الكفاح العربي» حتى اليوم، تخللها رسمه للكاريكاتور المتحرك على شاشة تلفزيون «المشرق» مع مطلع التسعينيات. وأيضاً رسم للأطفال لمدة طويلة في مجلة «سامر».
على المستوى التقني، رسم عماد بقلم الحبر بعد تخطيط سريع بقلم الرصاص، وإجراء بعض اللمسات بالقلم الاسود العريض. واذا كان الرسم ملوناً، كان يلون بالالوان المائية الشفافة بطريقة خاصة لا تعتمد كثيراً على مزج الالوان، إنما وضع الالوان فوق بعضها في طبقات. قبل هذا، كان يرسم بالريشة والحبر الاسود. وعلى شاشة «المشرق» كان يرسم ويقوم شخص آخر بعملية التحريك التقني.
حين رسم في جريدتين يوميتين في توقيت واحد، شعر بالاحراج، أولاً لأنها سابقة في عالم الاعلام، وثانياً لان الصحيفتين متناقضتان في الخط السياسي. «الكفاح العربي» و«اللواء». الأولى مناهضة لخط رفيق الحريري، والثانية مناصرة لخطه ونهجه الاقتصادي والسياسي. جرب تدارك الأمر، فحوّر توقيعه ليأخذ شكلاً دائرياً في «اللواء» وبقي توقيعه المعتاد في «الكفاح».
مرات كثيرة سهرنا في بيت عماد في عين الرمانة. كنا نتندر على الحرب التي جعلتني أولد في الشياح على بعد شارعين من بيته. خط التماس فرّقنا، لكن منهجه الكاريكاتوري كان عروبياً مناصراً للقضية الفلسطينية مع حيز نقدي. مع ملحم عماد، شاركتُ في معرض جماعي في «مركز ناجي العلي الثقافي». مبكراً، تجاورت رسوماتي مع رسومات هذا الكبير في صالة تحمل اسم شهيد الكاريكاتور العالمي. مرة جاء الى لبنان رسامون من ايران لاقامة معرض في المستشارية الايرانية. تجوارنا في المقاعد، وطلب مني أن أتكلّم عنه! قال إنّه يعرف أن يرسم. أما الكلام فليست صنعته. في اليوم التالي كنا جميعاً، ومعنا الكاريكاتوري سعد حاجو ضيوفاً على مائدة عماد. ضحكنا كثيراً حين أشرتُ الى لوحة «العشاء الأخير» على جدار الصالون وهي تمثل المسيح بين تلامذته. قلتُ: هذا غدائنا الأول، وذاك العشاء الأخير. اليوم نودعك، ومعك ابتسامتك الأخيرة، وحبرك الأخير.