هناك من لا يزال يجيد العثور على وقت للبطء. وقت كاف كي يحكي قصة، ويقيم لها جلسات حميمة تفي النهايات والبدايات حقّها.


جمعية «بيت الفنون والحكاية» لا تزال متمسكة بفسحة الخيال هذه. بالتعاون مع «مسرح مونو» و«المعهد الفرنسي في بيروت»، ها هي تطلق الدورة 18 من «المهرجان الدولي للحكاية الشفهية والمونودراما» الذي يبدأ مساء اليوم في BEYt (مار مخايل ــ بيروت)، ويستمر حتى 19 آذار (مارس). يحتفي المهرجان البيروتي الدولي بالحكاية، داعياً هذه السنة خمسة حكواتيين عرب وأجانب فرنكوفونيين. تحمل الدورة الـ 18 عنوان «هنا وهناك» في دعوة لاستكشاف العوالم الافتراضية والماورائية والخيالية، واحتفالاً بالخرافة بمفهومها الأوّل، رغم التقنيات والأدوات المعاصرة التي يصقل بها الفنانون حكايتهم الشفوية. تغيير المكان من «قبو كنيسة يوسف»، إلى فضاء «بيت» في مار مخايل، نابع من رغبة المنظمين بالوصول إلى جمهور أوسع. عدا ذلك، لا يزال المهرجان يحافظ على هيئته العامة. تنحصر العروض هذه السنة أيضاً باللغة الفرنسية، «لأن الحكاية العربية التي خصّصنا لها مهرجاناً قبل سنوات لم تجد دعماً كافياً للاستمرار» كما يقول مدير مسرح «مونو» بول مطر لـ«الأخبار».


ينهل علي مرغاش
من التهويدات والأغنيات
والأشعار القديمة والحديثة

على برنامج الدورة الحالية، الحكواتي الجزائري الفرنسي علي مرغاش (14 و17/3)، والمصرية شيرين الأنصاري (16و17/3)، والجزائرية الفرنسية نفيسة بنونيش (14 و18/3)، والكندية ستيفاني بينيتو (15 و18/3)، والفرنسي إريك بنتوس (15 و16/3) في موازاة برنامج هامشي مخصص للشباب وطلاب المدارس (راجع الكادر). حول الحكاية، ذلك المصطلح الفضفاض الذي يطاول الإرث الثقافي والديني والاجتماعي والسياسي، يجتمع الفنانون هذه السنة ليطيروا بنا إلى عوالم ومناطق وأجواء بعيدة ومتوارية. حتى الآن، لا تزال العروض التي يقدّمها الفنانون مجهولة. ليس هناك نص مكتوب لقصصهم الشفوية، كما أنّ القصص التي تحمل جانباً ارتجالياً، «تخضع لعوامل المكان الذي تقدّم فيه، ولتفاعل الجمهور» كما يؤكد مطر. لكنّ الفنانين الخمسة يحملون معهم تجارب غنية تمزج بين الفنون الغنائية والموسيقية والجسدية الأخرى، قبل أن تصب في إطار الحكاية. هكذا يعيد علي مرغاش الحكاية إلى أصلها المتمثل بالتهويدات والأغنيات والأشعار القديمة والحديثة. هناك مكان للموسيقى في عروض الحكواتي والعازف الفرنسي الجزائري. يستخدم الإيقاعات والآلات الموسيقية كعنصر أساسي في الحبكة والتحوّلات الدرامية. يتنقّل مرغاش بين الثقافات، بخفة، ويتناوب وحيداً على تأدية شخصياته البشرية والحيوانية. يروي قصصاً للصغار والكبار، من الشمال والجنوب. يطير بين الحلم والواقع والوهم، يحكي عن الغولة، والبنات السبع المحتجزات داخل القصر، والسيد يوسف وماعزه. إنها ليست المرّة الأولى التي تزور فيها شيرين الأنصاري المهرجان.

شاركت الحكواتية المصرية في المهرجان عامي 2002 و2008 حين زارت أيضاً أبناء مخيّم نهر البارد. تحمل عروض شيرين الأنصاري التي تقدّمها بالعربية والفرنسية والإنكليزية، طبقات متعدّدة من القصص. منذ قرارها بالتفرغ للحكاية كلياً عام 1996، اقتحمت عروضها النصوص الأدبية الكلاسيكية والتراثية بأسلوب تجريبي معاصر. هذا ما فعلته مع «ألف ليلة وليلة»، ومع بعض النصوص الصوفية ومع أدب إيتالو كالفينو وملحمة بني هلال، و«ثلاثية» نجيب محفوظ التي قدّمتها ضمن مسرحية إذاعية. تنطلق شيرين من الحكاية بوصفها مساحة لتقريب الناس، ومن موقعها الجامع في الشارع والجوامع ثم المقاهي. في تلك المساحات العامّة، قدّمت شيرين عروضها في القاهرة وبيروت دمشق وحلب وفرنسا وبريطانيا. تسافر كثيراً، أكان ذلك عبر حكاياتها أم في الواقع، لكن حكايتها الأولى تعيش في مصر وتحديداً في وسط البلد في القاهرة حيث تتهافت آلاف القصص من الناس يومياً. في فاس المغربية، تطوّر الحسّ الحكواتي لدى نفيسة بنونيش حين كانت تستمع إلى قصص جدّتها عن الجنون وأسرار العائلة والقبائل. لكن المدرسة قضت على لغتها العربية لمصلحة اللغة الفرنسية التي قرأت فيها «ألف ليلة وليلة» بترجمة ماردروس. لا يغيب سؤال الهويات الثقافية عن قصص الحكواتية الجزائرية الفرنسية التي تستحضرها من قصص الهنود الحمر والقبائل العربية، وبلاد الإسكيمو واليابان، كما تطعّمها بالأغنيات الشعبية. تسع القصة عندها كل الفنون الأخرى مثل الرسم كما في «8 دقائق»، والأغنيات الشعبية في BEZEF التي تتداخل فيها القصص العربية والفارسية القديمة. كاتب قصص الأطفال إريك بنتوس يجد في عوالم الحيوانات مدخلاً لمعالجة القضايا المعاصرة. على خطى موليير وابن المقفع، تشكّل الحيوانات مثل الأرنب والدب والذئب أبطالاً لقصصه وحكاياته التي نشر بعضها، مثل قصته الشهيرة «جوع ذئب». يقصّ بنتوس قصصه بفكاهة، وتشكّل الكلمة بالنسبة إلى الحكواتي الفرنسي الآتي من السوسيولوجيا، عنصراً أساسياً في حكاياته الخاصّة. على البرنامج أيضاً ستيفاني بينيتو. بعد عملها في التعليم والمسرح، تفرّغت الحكواتية الكندية في بداية التسعينيات للقصص الشعبية. وفيما تنقّب بشكل خاص عن الحكايات الشعبية المتعلّقة بالمرأة، إلا أن عروضها تنهل من الميثولوجيا الإغريقيّة والفولكلور الإيطالي والقصص الشعبية الشفوية التي تعيد تقديمها بأسلوبها الفكاهي والشاعري السلس الذي يحاكي كل الأعمار. وكما في كل سنة، سيختتم المهرجان بمسابقة «الكذب»، اللعبة الارتجالية التي يحاول فيها الحكواتيون الخمسة ارتجال قصة يقترح الجمهور فكرتها.

* «المهرجان الدولي للحكاية الشفهية والمونودراما»: عند السابعة والنصف من مساء اليوم حتى 19 آذار (مارس) ــ BEYt (مار مخايل ــ بيروت).
للاستعلام :70/954057




للطلاب فسحة أيضاً

إلى جانب تأمين مهرجان سنوي للحكاية الشعبية، يحاول المنظمون تعزيز حضور هذا الفن من خلال ورش عمل ودعوة طلاب المدارس. قبل انطلاق العروض عند السابعة والنصف من ليالي المهرجان، سيقيم المنظمون لقاءات بين طلاب المدارس والحكواتيين للاستماع إلى قصصهم وخرافاتهم. كذلك دعمت جمعية «بيت الفنون والحكاية» ورشة عمل في الحكاية أقامتها جمعية «الجنى» العام الماضي لشباب فلسطينيين ولبنانيين، سيتاح للجمهور الاستماع إلى حكاياتهم لمدة 5 أو عشر دقائق قبل الانتقال إلى عروض المكرّسين.