ليست الصور أكثر من بورتريهات زاهدة. تسند الخلفيات الرمادية الداكنة وجوه شابات وشباب صوّرهم جيلبير الحاج (1966) في الاستديو على مدى أكثر من عقد كامل. 14 سنة بالضبط هي حصيلة معرض «الآن وهنا» الذي تستضيفه «غاليري تانيت» (مار مخايل ــ بيروت) حتى الأول من نيسان (أبريل) المقبل.


يخفّف المصوّر اللبناني بورتريهاته من أحمال كثيرة، في توجّه فوتوغرافي يشبه المحو. وجوه الشبان بيضاء تماماً، خالية من أي تعبير واضح. قد يكون ذهولاً أو انتظاراً أو ترقباً فاتراً لشيء غير موجود في الأصل، يتمثّل في دائرتين بيضاوين تطلعان من حدقتي العين. سنجد أنفسنا نردد السؤال الذي واجه فيه جون بيرجر مئات البورتريهات في مجموعة «رجل القرن العشرين» للألماني أوغست ساندر: «ما الذي قاله للجالسين أمام عدسته قبل التقاط الصور؟ كيف تفوّه بما أراد قوله، ليصدقوه بالطريقة نفسها؟... هل قال لهم ببساطة إن صورهم ستصبح جزءاً مسجلاً من التاريخ؟». هناك أسئلة أخرى ستلاحقنا بالطبع، ونحن نعلّق أعيننا على الوجوه الـ 99 التي تعكسها 9 بروجكتورات على الجدران. هذا الجانب التوثيقي لـ 99 وجهاً، لا يعفي بورتريهات جيلبير الحيادية والمسطّحة ظاهرياً، من مطبّات اجتماعية وسياسية وثقافية كثيرة، بينما لا تتوقّف خياراته التقنية المجرّدة والمكرّرة عن إيقاظ الوظائف الزمنية والمكانية للفوتوغرافيا كوسيط. ضمن هذا الهامش، مدّ الحاج لسانه للأنظمة العربية في مجموعته «كرهتك مسبقاً بسبب الأكاذيب التي قلتها لك» (2011) التي تتضمّن لقطات مقرّبة على أفواه وألسنة ممدودة. اختبر الأيادي الطويلة لكاميرات الهواتف التي دشّنت نوعاً جديداً من التصوير الفوتوغرافي، على مقاس التلصص الاجتماعي الأشمل. خلخل الأطر السياحية الجاهزة في «عرض برلين» (2006)، عبر التكرارات أيضاً للإطار الخشبي والستارة يطوّقان كل مشهد.
ممارسته الفوتوغرافية لا تشبعها المسلّمات، لتصبح متتالياته البصرية أشبه بإعادة تمثيل الفكرة والظاهرة واختبارها مجدداً. في «الآن وهنا» (ذلك العنوان الذي يوسّع الحيرة تجاه زمن هلامي يتمدّد على مدى 14 عاماً) تلتصق العدسة بالوجوه. تطالعنا بكامل حضورها الخارجي وتحديقها، بلا مؤثرات جمالية كالإضاءة والظلال. ليس بإمكان زائر المعرض أن يتفلّت من النظرات المصوّبة نحوه من الجدران الثلاثة. تحاكي طريقة عرض الصور المتحرّكة تبدّل الزمن، والموت والبعث. تتوالى الصور سريعاً. تكاد تخفي عن أعيننا تبدّل الاختلافات الشكلانية بين الوجوه. العيون والأنوف والآذان والأكتاف والشعر، أعضاء تتفاوت بشكل كبير من شخص إلى آخر. ما يجمع بين البورتريهات أيضاً، أنها تظهر شباباً لبنانيين (تغيب هذه المعلومة عن شرح المعرض في الغاليري) تراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين، أي أولئك الذين ينتمون إلى ما يتفق على تسميته «جيل ما بعد الحرب الأهلية». يختار الحاج كادراته بعناية، ويحصر الحضور الجسدي بالوجه والأكتاف والصدر. يقتبس من الصورة الشمسية محدوديتها.


يفرغ صوره من المشاعر
الفائضة التي تلتصق غالباً بالبورتريهات البشرية
يجرّد تلك الأجساد البشرية من الحركة، ومن مقوّمات الجسد، باستثناء تلك المساحة الضيقة التي يتركها للاختلاف الظاهري في الثياب مثلاً، والأكسسوارات، الماكياج والأوشام واللحى. يوثّق لجيل ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية، أي ما يفترض أنه الجيل الحاضر والمستقبلي للبلاد، أقله بالنسبة إلينا نحن الذين نتفرّج على المعرض في بيروت. يوثّق الحاج لجيل المستقبل عبر الفوتوغرافيا التي هي في النهاية وسيط بصيغة الماضي. كل الوجوه تموت حكماً، فور دخولها إطار الصورة. بهذه الصرامة الفوتوغرافية، يشرّع جيلبير صوره على كل الاحتمالات. على الماضي والمستقبل، على الحيوات السابقة واللاحقة لشخوص الصور وعلى مصائرها (مصائرنا؟) المحتّمة.
الفنان اللبناني الذي تحمل أعماله تأثراً بمدرسة دولسدورف الفوتوغرافية (خصوصاً مجموعته Homeland عام2006)، لا تبتعد بورتريهاته البشرية عن هذه الممارسة الحيادية والرسمية مع المادّة أو الشيء. يفرغ جيلبير صوره من الأحاسيس ومن المشاعر الفائضة التي تتربّص غالباً بالبورتريهات البشرية. على غرار مجموعة «بورتريهات أخرى» لسليل «دولسدورف» الألماني توماس رَف، تشكّل صور «الآن وهنا» غلافاً آخر ضدّ البوح، وضدّ الكشف. تخفي التمايزات بين الوجوه طبقات متعدّدة من الهويات؛ الهويات السياسية، والجنسية، والثقافية، والاجتماعية التي تتفرّع مما يمكن تسميته الهويّة اللبنانية بكامل التباسها وتفاوت مفهومها بين المواطنين. لا يكلّ هذا الطرح الفوتوغرافي التسطيحي الشكلاني، قبل أن يسائل ماهيّة الهوية اللبنانية وأي هويّة بالمطلق. تكراراته المجرّدة والمكثّفة تحيلنا إلى قدرة الفوتوغرافية على اكتناز السرد، سرد حياة هذه الشخوص، وموتها وأفكارها. بماذا تحتفظ الصورة من الشخوص لحظة التقاطها؟ ما هي الفوتوغرافيا؟ وأين تقع حدودها؟ الحمل الذي يزيحه الأكاديمي اللبناني عن كاهل صوره، سيقع حتماً على الزائر. جيلبير الحاج يبحث أيضاً عن أجوبة، ولا يدّعي أنه يملك أياً منها. خلافاً لمن يعتقد أن باستطاعة الصورة أن تحوي وتظهر أكثر المشاعر عمقاً، يقول المصوّر توماس رف «إنّ الصورة لا يمكن أن تعبّر إلا عن سطح ما يظهر في الصورة، حرفياً». يقول ذلك دفاعاً عن صوره من فخّ التأويل الذي سقطنا فيه مسبقاً في صور «الآن وهنا».

* «الآن وهنا» لجيلبير الحاج: حتى الأول من نيسان (أبريل) ــ «غاليري تانيت» (مار مخايل ــ بيروت). للاستعلام: 76/557662




كتاب «الآن وهنا»

تزامناً مع افتتاح المعرض أخيراً، وقّع جيلبير الحاج كتابه «الآن وهنا» في «غاليري تانيت». يضمّ المؤلّف البورتريهات الـ 99 التي تعرض في الغاليري عبر 9 بروجكتورات. يضع الكتاب الصور ضمن سياق ثابت وجامد يتيح لنا رؤية ما تسلبه منا (عن قصد) طريقة عرض الصور التي تتبدل، طوال الوقت، على الجدران في المعرض. يأتي هذا كاختبار آخر للعلاقة الوثيقة التي تحملها أعمال الفنان اللبناني مع الزمن وتبدّله. هكذا يلتحق كتاب «الآن وهنا» بمؤلفات عدّة ضمّت أبرز مجموعات للمصوّر والأكاديمي مثل «أحد عشر مشهداً لجبل أرارات» (2009)، و«بيروت» (2004)، و«سكرينينغ برلين» (2010)، و«أطلال توفيقيّة» (2010).