في عام 2010، برزت إلى الساحة بألبوم «إشراق» وكان بمثابة مفاجأة. وأخيراً ها هو تراثنا كما هو ببساطته وألقه، صوت وكلمة يرافقهما إيقاع وعود، هكذا كان، بدون تكلّف وبدون تقليعات «الفيوجن» وتحديث التراث الذي هلّ علينا في السنوات العشر الأخيرة بحجة التحديث وجلب جيل الشباب والمعاصرة.


لسنا ضد ذلك بالطبع؛ لكن الفنانة قدّمت لنا وقتها مثالاً على أن تراثنا الموسيقي يصلح في كل الأوقات ولكل الأجيال، من دون حاجة ماسة إلى «حزمة» الإيقاعات السريعة وملحقاتها. نبشت باكورتها في تراث بلاد الشام، وقدمت لنا أغنيات حفرت في الذاكرة والوجدان عن «السفر برلك»، وقيم الحرية والمقاومة والعز والفخر؛ في راهن يتلاشى فيه كل ذلك. صوت جاف ورطب في آن؛ كطبيعة بلادنا بسهولها وجبالها، رقيق كأصوات جداتنا، يحمل تعرجات وانكسارات تخلق عرباً طبيعية عفوية من دون أي جهد مصطنع، هو صوت الفنانة الفلسطينية سناء موسى (1979).


الألبوم الجديد أكثر غنى من ناحية الألحان والمواضيع والتوزيع


بعد سنوات على إطلاق باكورتها، ها هي موسى تطلق ألبومها الجديد «هاجس»، الذي ضمّ ثماني أغنيات واستغرق العمل عليه ثلاث سنوات بين بحث وتلحين وإعادة توزيع وتسجيل. سنستمع إلى الألبوم الجديد لنتساءل ما الذي اختلف في تلك السنوات؟ نكتشف أن كل شيء ولا شيء في آن. من ناحية، جاء العمل الجديد ليؤكد على هوية موسيقية مرتبطة بالموروث التراثي والثقافي، وها هي الفنانة تؤكد عليها مجدداً. من ناحية أخرى، نجد ألبوماً أكثر غنى من ناحية الألحان والمواضيع والتوزيع. بينما اعتمد «اشراق» على التراث الموسيقي في بلاد الشام مع تقشّف موسيقي في الآلات، نعثر في الألبوم الجديد على تنوع أكثر من دون المساس بالصورة التي انطلقت بها الفنانة مستفيدة من تراث عملت على إخراج ما تم نسيانه منه أو تجاهله.
تستهل موسى اسطوانتها الجديدة التي تغرف من التراث بأغنية «عودة النوارس» التي تقترب من الجاز؛ ربما من باب التنويع، وربما أرادت أن تقول لنا بأنها قادرة على غناء أنماط موسيقية مختلفة وبالإحساس نفسه. الأغنية التي تتناول موضوع العودة، جاءت من كلمات الشاعر زهير أبو شايب، وألحان نزار وحيشي وتوزيع طارق عبوشي. غنت فيها موسى برفقة البيانو والعود مع تدخلات بسيطة للإيقاع. أما «يا رايح عبلاد الشام»، فتستهلّها بموال يقودها إلى الأغنية التي كتبتها ولحنتها بنفسها، وهنا نكتشف الفنانة التي تكتب وتلحن للمرة الأولى.
وبينما اعتمد ألبومها الأول على الأغنية التي كانت تغنيها المرأة في بلاد الشام، نعثر في الألبوم الجديد على الأغاني الخاصة بالرجال، فنصل إلى «السامر» التي سميت على اسم قالب موسيقي شهير في فلسطين، وتستعين فيها الفنانة بصوت والدها الفنان علي موسى. وتبدأ أغنية «طل القمر» بموال سيذكرنا بالغناء اليماني في لحنه وعربه الصوتية التي تستخدمها موسى. ينتهي الموال بتحويلة مع اليرغول الفلسطيني، ينقلنا إلى بلاد الشام مجدّداً بألحان وكلمات تراثية اشتغلت عليهما الفنانة. نصل إلى الموشح المصري «أذكر الحب» لداوود أفندي حسني. تحافظ موسى هنا على مقامه (نوا أثر) ووزنه (المدور المصري) وتستعين بتوزيع سهيل نصار، مع مرافقة لافتة للوتريات والإيقاع. أما في «منديلي ضاع» وبعد كل تلك الإيقاعات البطيئة، نستمع إلى إيقاع هو الأسرع في كل الألبوم؛ بكلمات من التراث الفلسطيني اشتغل على إعادة توزيعها شقيق الفنانة ومرافقها في حفلاتها محمد موسى. وفي موشح «يا قلب» لـصفر بيك علي وتوزيع التونسي محمد علي كامون، نستمع إلى موشح يرافقه الأوكورديون والقانون، ليشكلا ثنائياً موفقاً ساعد في إعطاء الموشح صوتاً لم نسمعه من قبل في هذا النوع من الغناء. وتختتم موسى بأغنية «لفي محرمتك». تقول في تقديمها لهذه الأغنية إنها كلمات ارتجلتها جدتها عام 1948 حين لجأت مع جدها إلى لبنان هرباً من جرائم العصابات الصهيونية، قبل أن تصر على العودة والاستقرار في الجليل. كلمات وضعت لها موسى ألحاناً تقترب إلى التهليلة الحزينة بمرافقة الإيقاع وصوت اليرغول.
في «هاجس»، سنكتشف سناء موسى الكاتبة والملحنة. وبالرغم من اعتمادها على التراث بشكل أساسي، إلا أننا سنعثر على أغنيات جديدة كلياً لم نسمعها من قبل. تلك الأغاني ستدفعنا إلى التساؤل حول الخطوة القادمة وما بعد التراث في تجربة الفنانة التي اختارت أصعب الطرق وأكثرها تحدياً. هذا التساؤل سنكتشفه سوياً في الإنتاجات القادمة للفنانة التي وقفت أخيراً على خشبة الـ «ريتش ميكس» في لندن تغني للشهيد باسل الأعرج.