لا أَعرف إِن كان محظوظاً مَن يدخل إلى مدرسة مُعلّم كبير مثل منير أبو دبس (1932-2016) أو لا! لأنّ الدّخول إلى عالم منير، من قبل شاب في مَطلعِ العشرين، أَمر بغاية الأَهمية والخطورة. فبقدر ما يكسبك منير من خبرات المسرح، ويوسّع لك عالمك، ويقودك إلى أَغوار ذاتك، فيُثقّف نظرتك إلى الفن، ويهذِّب ذوقك ليحميك من إغواءات لصوص المعرفة وسماسرة الفن ودجّاليه. يُمكِن لهذا المعلّم أن يمحوك ويذيبك فيه. وهنا الامتحان الأَصعب.


كل مَنْ مرَّ في مدرسة منير أبو دبس كان لا بدَّ من أن يقَتُلَهُ ليحيا! ومن لم يقتله، طواهُ منير في ظلّه ومحاه.
منير علّمنا الكثير، أحببناه، وافقناه، خالفناه، وتشاجرنا معهُ حول المسرح والفكر والتّطلّعات والحَياة. حتّى الأمور التي رأيناها فيه، مِن عادات وخصال قد ينفر منها مَن يعاشر شخص هذا المعلّم في يوميَّاته العاديّة، كانت مفيدة لنا كي لا نذوب ونَمّحي، لأنَّها كانت المسافة الوحيدة بيننا وبين الاستسلام والغياب والذّوبان في حضورِ مُعلّمٍ يكتنزُ أسرار المَسرح، ويَفردُ قامَتهُ علينا فرادةً نادراً مَا يلتقي بها طلاّب المَسرح والفنّ في لبنان، لبنان الذي عاصَرنا فيه مَسرحيّين وفنّانين صَيَّرتهم مُخيِّلة الجُمهور المَريضة بَهلوانات ومهرِّجين وفقَّاعات فِكرٍ وماءٍ على الخَشبَة.
أَدْرَكتُ خلال تَجربتي مع منير، أنَّ المُمثِّل الحقيقيّ هو الذي يَعتلي خشبة المَسرح، لا ليمثِّل، إنّما لينسى التَّمثيل الذي يعيشُهُ فعلاً يوميّاً في واقعه.
وأذكر مرّة أنّنا حين أنهينا عرض إحدى المسرحيّات لم نَسمَعْ إلا تصفيقَه، وتَصفيق خمسة مِن أصدقاء المَسرح المُقرّبين. وحينَ أنارَ منير صالةَ المَسرح وجدناها فارغة تماماً من الجمهور. نعَم صدِّقوا! تركنا منير نُقدّم المسرحيّة من دون جمهور إيماناً منه بأن الفعل المسرحي يجب أن يتمّ لذاتِهِ، فهو أعلى من أن يُقرن بجمهور.
فالمسرح كما علّمنا، هو بيت المُقدّسات، والبَحث عن الأسرار والوجود والذّات.


الإعداد الذي بدأه
مع استنسلافسكي،
خَتَمَهُ برؤيا صوفيّة

كُنتُ في العشرين. حينَ رَفَعتُ يدي أهزّ حبلاً صغيراً يربطُ جرساً علّقهُ منير خلف نافذته في الطابق الثاني من بيتِهِ في الفريكة. قَرعته من دون أن أَعلم أنني أقرعُ بحراً أو باباً سيفتح على المطلق، أو ربّما على المُغلق. باب التَّساؤلات، باب يحطِّم تماثيل وأيقونات ومُثلاً عليا كرّسها المراهقُ فيَّ وَطَوّبها، حتّى صارتَ حِبالًا تربطُهُ وتُعيقُ تقدّمه.
لطالما دَعاني منير إلى تَرك العالم الظّاهري.
وإذا كان غوردن غريك قد استَبدلَ المُمَثِّل بالمَاريونيت على اعتبار أنّ المُمثّل هو أخطر حضور على الخشبة لأنّه يسعى دائماً إلى الاستقطاب والجَذب، فمنير قد أعاد الممثّل إلى الخشبة، لكن بحضور مُتخفّ. بهذا، لا ينفرد المخرج في العمل، أو يكون هو الدّال الوحيد على الرّؤية، إنّما المخرج، يَضع كلّ مكوّنات العمل على المسرح، ويُبحر بها إلى الخفي، للبحث عن السّر وراء الظّواهر الخارجيّة التي تُحاول دائماً أن تَنتَحِلَ صِفة الحقيقة بشخصها.
كُنتُ مِنَ الجيل الذي عاصرَ منير حينَ استوت عنده كلّ عدّة المَسرح، الإعداد الذي بدأه مع استنسلافسكي، خَتَمَهُ برؤيا صوفيّة، تَسْتَلُّ مفرداتها من عالم مَسرحي صوفي مُتكامل. الانعزال، الانسحاب من العالم الخارجي، الإيغال في الذّات، الخطفة، القَشع، الحضور.
ولطالما بَحَث منير مَعنا عن لغة تُشبه النظريّة التي أعدّ فيها ممثّليه، جعلها بعيدة عَن زُخرف الكلام الفصيح وعنجهيَّتِهِ، وزَجليّة المَحكيَّة وتماهيها مع الفصحى. أدخلها في بياضٍ بعيد عن الاستعراض لا يَخدش سكون الحركة وحضور الصّوت. فالممثّل على الخشبة يتجوّل في حلم يلتقي صوراً وإشارات، يُبصر الأغرب والأبهى في لاوعيِهِ الخاص واللّاوعي الكوني. فالرّؤية هي الهَدف، وكلّ العناصر إن لم تكن مُرَوَّسة كالسّهم لا تَصل لا تُصيب.
كانَ كلام منير يسقطُ علينا، كأنّه المُنْزَل في عالَمِ المَسرح. ولطالمَا أرهقتني «أل التّعريف» التي كانت تَلزم مُعظَم كلماتِهِ: أَل مسرح...أَل حقيقة...أَل سرّ...أَل ممثل...
وحينَ ماتَ منير. شعرتُ أنّ «أَل التّعريف» تَتخلخل من جديد. ويعودُ المُعرَّف عندي إلى النَّكرة. كأنّ قدرنا دائريُّ التّجربة، يدور بنا في فلكٍ، ثمَّ يضعنا في ترتيبٍ جديد.
أو صَدّق الحكمة: «مَن قال إنِّي وصلت... قد انتهى».
ها أنا الآن أشبه ماكبت في إنشادِهِ: «يَطيرُ الغراب إلى غابة يَلفّها الضَّباب».
ألم أَقُلْ أنّ الدّخول إلى عالم منير أمر بغاية الخطورة والأهمّية؟!
علّمني منير أن أسألَ..
فهوَ يَعرِفُ كَكلِّ مُعلّم حقيقي، كيفَ يَزرعُ في طلّابهِ الأجوبة التي يُحصدُ منها الأسئلة الكُبرى.
الآن، أعود والمسافة أمامي مَفتوحة على المُطلق، أو ربّما على المُغلَق.
أبحثُ عن سماءاتٍ أُخَر..
مُنير روّض جناحيّ، علّمني كيفَ أحلِّق لكنّهُ لم يَختر لي السّماء.

أُلقيت خلال احتفال تَكريمي للمُخرج الرّاحل منير أبو دبس، الذي نّظّمتهُ «جامعة البَلمند» يوم 21 آذار (مارس) الحالي
* شاعر ومسرحي