جديد روي ديب «بيت البحر» (2016، 75 د. – جائزة لجنة تحكيم «تنويه» من NAAS (شبكة الشاشات العربية البديلة) في «أيام قرطاج السينمائيّة 2016»)، كان أوّل ضحايا «مجزرة الرقابة» في «أيّام بيروت السينمائيّة» التي اختتمت أخيراً (الأخبار 20/3/2017).


السينمائي اللبناني (1983) لم يكن «الصيد» الوحيد. مُنِعَ الروائي القصير «تصريح» لغنى عبّود.
طُلِبَ حذف دقائق من «مولانا» لمجدي أحمد علي، فامتنع المهرجان عن عرضه. تمّ الاكتفاء بمنح إجازات عرض لمرة واحدة لأفلام أخرى، منها «صبمارين» لمونيا عقل. كلّ ذلك بعد فترة وجيزة من استخدام بقعة سوداء، لإخفاء ممثّل يجسّد شيخاً من طائفة الموحدين الدروز، في «اسمعي» لفيليب عرقتنجي (الأخبار 31/1/2017). في لبنان، ثمّة «تحليق» إلى مستوى جديد من شناعة الرقابة المسبقة، اعتماداً على قانون صادر عام 1947! تناغم فريد بين الرقابات العربية هذه الأيّام، مع عدم السماح بعرض «آخر أيام المدينة» (2016) للمصري تامر السعيد في بلده حتى الآن. بالمناسبة، منحت الرقابة المصرية إذناً بعرض قريب لـ «بيت البحر»، لتكون أرض الفراعنة ثالث بلد عربي يستقبل الشريط، بعد تونس وفلسطين (مهرجان حيفا المستقل للأفلام 2017). قريباً، يحطّ في برلين (مهرجان الفيلم العربي برلين «الفيلم»)، وبرشلونة (المهرجان الدولي لسينما المؤلف)، والأورغواي (مهرجان الأوروغواي السينمائي الدولي).
إنّها «التهم» الجاهزة نفسها، التي تتشبّث بكلمات مثل «يسيء» و«يروّج» (هناك معادلات مماثلة في بقيّة الدول العربية). مصدر في لجنة الرقابة صرّح أنّ الفيلم «يروّج للمثليّة، ويسيء لصورة المرأة». كما أنّه «يصوّر جميع اللبنانيين إمّا مثليّو الجنس أو أنّهم يوافقون عليها، وهذا خلاف الواقع، وإساءة للبنان». هكذا، بكلّ بساطة. عمّم الرقيب شخصيتي رواد (جوليان فرحات) ويوسف (رودريغ سليمان)، على كل الرجال اللبنانيين. نصّب نفسه دراماتورجاً أدرى من صانع الفيلم ذاته، وأفلاطوناً منادياً بـ «السينما الفاضلة»!
عموماً، هذا ليس احتكاك روي ديب الأول مع الرقابة في بلده. شريطه الروائي القصير «مونديال 2010» (2014، 20 د. – جائزة «تيدي» من برليناله 2014، أفضل عمل أوّل في «مهرجان الفيلم اللبناني 2014»، أفضل فيلم قصير في «مهرجان لشبونة السينمائي الدولي للمثليّين 2014»، الجائزة الكبرى في «مهرجان أوبسالا السينمائي الدولي للفيلم القصير 2014»، أفضل فيلم في «مهرجان صقلية السينمائي للمثليّين) لم يحصل على إذن عرض حتى اليوم. «فيلم طريق» يسافر مع شابّين مثليّين إلى رام الله الفلسطينيّة، هرباً من حمّى كأس العالم في بيروت.
لكن ماذا عن «بيت البحر» سينمائياً، بغض النظر عن المنع وما إلى ذلك؟ نحن بصدد أربع شخصيات: ريّا (ساندي شمعون)، وشقيقتها الكبرى ليلى (نسرين خضر)، ورواد (جوليان فرحات)، ويوسف (رودريغ سليمان). الأولى تقيم حفلاً أسبوعيّاً في منزل العائلة البحري. تغنّي أمام جمهور من اختيارها. بعد انقطاع عشر سنوات، يلتقي الأربعة مجدّداً. تجمعهم طاولة عشاء مصنوعة من خشب أرز، يفوق عمره 1500 عام. يتشاركون السمك والحمّص والعرق. رمزيّة مقصودة لطقس محلي، فوق إرث عابر لمئات السنين. البيت نفسه ذو خصوصيّة، من تصميم العراقي الشهير رفعت الجادرجي، صاحب التجربة الستينيّة في مزج العمارة الحداثيّة بالإسلاميّة، ومعماري الساحات والشوارع في بغداد. جدرانه تعرض لوحات لكلّ من شفيق عبّود، وهيلين الخال، وصليبا الدويهي، وإيتل عدنان، وفوتوغراف لفؤاد الخوري. الأرض تحمل منحوتات لكلّ من سلوى روضة شقير، وألفريد بصبوص، وميشال بصبوص. كلّهم أصدقاء الأب، الذي كان يرى الحياة بلا فن «مش حياة». موقع المبنى على جرف صخري على تماس مع أمواج البحر المتوسط، يوفّر شرطاً مثالياً للعزلة والحنين. يصبح كائناً خامساً في السهرة الطويلة. مع الكثير من الكحوليّات والكوكايين، يكتمل مناخ البوح المتصاعد، تمهيداً للانكشاف الداخلي.


دعوة ضمنية إلى العيش بما يناسب الفرد، وانعتاق الكينونة من إرث الأسلاف


هكذا، يجتمع المثقلون بإرث ومفاهيم ومعتقدات الماضي، وهواجس الحاضر، ومخاوف المستقبل. بلد جاهز للانفجار بين لحظة وأخرى. محيط عربي ملتهب بالحروب، والتكفير، والقمع، والاحتلال الإسرائيلي، وجحيم «الربيع العربي». وضع دولي مأزوم بالتطرّف والعنصرية وصعود اليمين. التاريخ الشخصي المشترك ملتبس وشائك. هم خاضعون، منهكون، منتهكون، تائهون، فارغون. يظهر ذلك في العيون والذائقة، في طبقات كتيمة من انكسارات وخيبات أمل. ذلك أنّهم يخفون أنا أخرى أو أكثر، تحت أقنعة مختلفة. الهوية الشخصيّة ليست الاجتماعيّة. إنها متوارية، مخاتلة، تطلّ برأسها بطقس غنائي (ريّا) أو بسخرية وجودية فلسفية الجذور والدراسة (ليلى)، أو بالتحفّظ والجمود وانعدام الشعور بالأمان (يوسف)، أو بمشروع «ميديا آرت» عن الصراع مع «إسرائيل» (رواد). هنا، نسمع حواراً عن «شعبين» يفصلهما حاجز، من دون القدرة على تحقيق حاجة الحوار والتواصل، و«لازم يتصالحوا». لا ذكر واضحاً لكيفية الوصول إلى هذا الحال، رغم مرور عبارة «عدوّ شرعي» كوصف عام.
تدريجاً، يغدو البوح انكشافاً، وبياناً عن الهوية الجنسية، والطموح، والرغبة، والأمومة. لا يريده الفيلم خلاصاً تامّاً، أو تطهيراً مغيّراً، على نمط أفلام مماثلة في جمع شلّة أيّام زمان أو عائلات متباعدة. «سهر الليالي» (2003) لهاني خليفة مثال على ذلك. «بيت البحر» يكتفي بكشف الغطاء، والاقتراب من المشتهى، من دون بلوغه. شبه التحقّق لمعة خاطفة لا تشعل درباً. النوستالجيا لا تعني فرصةً ثانيةً. يوسف ورواد حبيبان سابقان. يحرّران هويتهما المثليّة، لوقت لن يفضي إلى تغيير دائم. التابوهات ماثلة طوال الوقت. مأزق هويّة سريّة، يحيل على يوسف وإبراهيم في «مونديال 2010».
غير أنّ «بيت البحر» شريط محمول على أفكار، تريد طرح الكثير على المائدة (سيناريو رأفت مجذوب وروي ديب، بالاستيحاء من قصة قصيرة بعنوان «التضحية» لزياد بوعقل). ثمة دعوة ضمنية إلى العيش بما يناسب الفرد، لا كما يشتهي المجموع، وإلى انعتاق الكينونة من سجون «العبيد»/ الكتلة وقضايا الاسلاف. ديب حمّل شيئاً منه فوق الخلفية الحياتيّة لكلّ شخصيّة، فلم يكن المزيج متجانساً طوال السرد. الشريط لا ينساب براحته، بل ينتقل من فكرة محدّدة سلفاً إلى أخرى. روي ذكر مدناً، كيافا «السعيدة»، ودمشق «القويّة»، لتشمل الدائرة جيلاً عربيّاً كاملاً. من ديدنه أن يدعم التيمة بالمدينة، كما رام الله التي تضمحل في «مونديال 2010»، أو بيروت الحاضرة في امرأة (كارمن لبّس) تعيش داخل بناء مدمّر بسبب الحرب الأهلية، في الروائي القصير «بـ متل بيروت» (2004، 17 د.). الحرب ابتلعت ابن المرأة، فأحالتها حطاماً من الداخل. السينمائي الشاب الذي يصنع فيلماً عنها، فقد الأمل بوجود مدينة أصلاً.
على صعيد الأداء، ثمّة نجاح في إدارة الممثلين الأربعة، خصوصاً أنّ هناك شيئاً من «المسرح داخل السينما». ساندي شمعون ونسرين خضر لافتتان بشكل خاص. الإيقاع مضبوط بدقّة، مع حل قطع ذكي وجريء في تمرير الزمن (توليف ماريا مالك). سينماتوغرافيا كريم غريّب تجيد الرسم بالضوء، والإفادة من مصادره. رنا عيد لا تخيّب الآمال في توليف الصوت كالمعتاد. أخيراً، عرض لروي ديب وثائقي «سرّك سهل» (2017، 65 د.)، عن مشروع فنيّ مجتمعي في بعلبك، عمد إلى إشراك المسنّين في ورش عمل مسرحية.