تخرج من فيلم روي ديب «بيت البحر» (75 دقيقة) مسكوناً بهدير الريح والأقدار، وخشخشة الأمواج المتلاطمة عند أقدام بيت رفعت الجادرجي في حالات، على الشاطئ اللبناني.


وتخرج منه أيضاً برائحة الفضيحة. هذا الفيلم الذي منعته الرقابة جوهرة صغيرة، اعلان مفاجئ عن ولادة سينمائي مميّز من سلالة المؤلفين المتفلّتين من أي تصنيف مسبق، المسكونين باللغة والشكل والأسلوب، كمكوّن جوهري للخطاب الفكري. مشروع روي ديب هو بمثابة هويّة ابداعيّة: النظر إلى الواقع من زاوية هامشية ذاتية، تقود حكماً إلى التصادم مع السائد. عرفنا هذا الفنان الشاب في مجالات بصريّة ومشهديّة عدة. وصفّقنا لعمله «مونديال 2010» الذي ينمّ عن شخصيّة فنيّة، ورؤية سياسيّة، وجرأة أخلاقيّة واجتماعيّة. شابان عاشقان في سيّارتهما، يقومان برحلة افتراضية مستحيلة بين بيروت ورام الله، بفعل «سحر» يردم الهوّة بين الصوت والصورة. فيلمه القصير عرض يومذاك من دون إذن. هذه المرّة، اختارت «أيّام بيروت السينمائية» أن تسحب «بيت البحر» نزولاً عند رغبة الرقابة.
الفيلم الجديد مدهش بإيقاعه المضبوط، وكادراته، وحواراته، وشخصيّاته، وزخرفاته، ومناخاته. نحن أمام عمل فني محلّي الصنع والانتاج (من التصوير اللافت والمونتاج إلى السيناريو المستوحى من قصّة لزياد بوعقل، مروراً بالاخراج والتمثيل إلخ)، متقن على كل المستويات، وصولاً إلى رؤياه الفنيّة وخطابه. وهو يندرج في مكان ما بين إريك رومير بـ «قصصه الأخلاقية» وقدرته الشعرية على تصوير مواقف انسانيّة وحوارات فلسفيّة، وبيار باولو بازوليني بشخصياته الملتبسة، النزقة، وعلاقاته الصادمة التي تختزن زخماً وجودياً وحسيّاً وسياسياً. يلتقط الفيلم شعريّة اليأس التي تطبع تلك البوهيميا اللبنانية الضائعة في متاهة الحب والرغبة والفراغ والشكوك والأسئلة الموجعة والحريّة الصعبة والقضايا الكبرى (من يافا إلى دمشق). السهرة التي تجمع أربع شخصيّات في مهبّ المصائر الفرديّة والمصير الجماعي، مقطوعة مسرحيّة تراعي وحدة المكان والزمان والحدث، ويؤديها رباعي ماهر: ساندي شمعون ونسرين خضر وروردريغ سليمان وجوليان فرحات. أختان بورجوازيّتان ضجرتان متناحرتان وصديقان متحابان، يجتمعون ذات عشاء مهّدت له المصادفة، في البيت البحري الذي يحوم حوله طيف الأب. إنّها حلبة المواجهات الحميمة، المؤطّرة بمرجعية ثقافية ثقيلة: الجادرجي، وشفيق عبّود، وشادية، وإيتل عدنان، وجان مورو، وليلى مراد، وسلوى روضة شقير، و«شريهان» فؤاد الخوري، وأم كلثوم…
لكن من السذاجة حقّاً، أو الوعي السحري، أن نتوقع من الرقابة في لبنان الحالي، أن تسمح بعرض فيلم بهذه «الخطورة». فيلم قائم على جماليّة الصدمة، ليس فقط بسبب علاقة يوسف ورواد، والجرأة الحسيّة، والحوار العفوي، بل أيضاً بسبب الجراح السياسية المفتوحة، المشرّعة على الحيرة وخطر التنازلات. هذا الفيلم الاشكالي الملتبس، يتطلّب مناخاً من الحريّة والنضج السياسي لا نملهكما في لبنان، حيث حكم علينا أن نعيش حياتنا وخياراتنا وأفكارنا، خارج النظام، وخارج المجتمع، وخارج القانون. هناك اليوم لبنانان، الأوّل خارج النظام، تظاهر في بيروت من أجل العدالة، فيما كان الثاني، يوم الأحد نفسه، محتشداً في الجبل لمبايعة وريث الزعامة التي هي قلب النظام. الطريق طويل وصعب أمام الراغبين في مشاهدة فيلم روي ديب، والأفلام الممنوعة الأخرى. نقصد مشاهدتها «شرعيّاً»، في الحيّز العام، فهي كلّها متاحة سرّاً وتهريباً! عليهم أن تنظيم أطر المواجهة وأدواتها السياسيّة. وعليهم أن يكونوا مستعدين لدفع الثمن. نعم للحريّة ثمن، ولا أعتقد أننا اليوم، في لبنان، جديرون بهذه الحريّة. فليعرض «بيت البحر» في ديار العرب والعالم، لكن ليس في بلده. فيلم روي ديب «يسيء إلى صورة لبنان» حسب الرقابة. في الحقيقة الفيلم يتحدّى الوعي الأبوي المهيمن، ويزعزع الصورة الرسميّة التي تريدها السلطة عن نفسها. أليس هذا تماماً دور الفن؟