لبنان بلد التمييز والامتيازات، إلا أنّه في حال الكوتا الجندرية يصبح التمييز مزعجاً مقيتاً للبعض. إن التمييز عندما يكون تعويضاً عن إجحاف وظلم تاريخيين، فإنه يكون تمييزاً إيجابياً لا بل ضرورياً وقوة دفع لشريحة لطالما همّشت ولَم تعط فرصة متكافئة مع الآخر والآخر هنا هو الصبي أو الشاب أو الرجل.


منذ الطفولة، كانت الفتاة تبقى داخل جدران المنزل في حين يذهب الولد إلى المدرسة ليتعلم. يقال لها مملكتك المطبخ ويمنح الشاب الأفق الأوسع ليعمل، ويختبر ويختمر عقلاً وتجارب.
التصحيح عبر الكوتا ممر إلزامي لكي يتعود الناخب على وجود المرأة في المجالات القيادية، وقد أثبتت الدراسات في معظم الدول أن المرأة لم تصل إلى البرلمان بنسبة مقبولة من دون اعتماد إجراءات خاصة مؤقتة. على كل من يعتقد أن الكوتا «مهينة» للمرأة أن يعيد النظر، ويبحث إن كان هناك من وسيلة أخرى قد أعادت للدول توازنها ومثلت كل شرائح مجتمعها في مراكز القرار.
إن المهين والمشين هو الوضع الحالي للمرأة في لبنان، فهي تحتل آخر المراتب عالمياً في تمثيل السيدات في مختلف المجالات. وأندهش عندما أسمع سيدة تقول إنها ترفض أن تتحجم بنسبة معينة. يا سيدتي ترفضين ماذا وأنت لا حجم تمثيلياً لك أصلاً في بلد الحرية والتمدن؟
لم يصل العالم الديمقراطي إلى مساواة جندرية إلا عبر الكوتا وخير مثال هي المستشارة الألمانية أنجيلا مركل التي وصلت عبر اعتماد حزبها للكوتا.
وعلى سيرة الأحزاب، ما دامت كل الأحزاب اللبنانية تدعم الكوتا، فمن الذي يؤخر إقرارها؟ ولماذا لا نجد المحازبات في البرلمان أو الوزارات؟ ليس تمثيل المرأة متدنياً فقط في البرلمان والحكومة، إنما أيضاً في المراكز العليا للأحزاب والنقابات والجمعيات المهنية وغيرها.
ولمن يقول إن المرأة اللبنانية ليست مؤهلة بعد لتتبوأ مراكز عليا وتشارك في الحكم، نقول انظر إلى الوضع المهترئ الذي وصل إليه البلد. إذا كانت هذه هي «الكفاءة» التي أوصلتنا إلى هذا الوضع، أرجوكم الحقونا بغير الكفوءات علّنا ننعم ببعض حقوقنا الأساسية.
ولمن يعتقد أن نظام الكوتا يعتبر إخلالاً بمبدأ المساواة بين المواطنين، نقول إن الكوتا الجندرية لا تلزم بحصة معينة لصالح المرأة، ولو المقصود بها الآن هو تمثيل النساء بل تلزم بحصة أدنى لأحد الجنسين. تخيلوا معي برلماناً وحكومة ورئاسات تحتل مقاعدها نساء فقط والرجال يتفرجون على حكم نسائي محض لا يسمح لهم باختراق السلطة أو بالمشاركة في صناعة القرار؟! صورة سيريالية خيالية ربما، إلا أنّها واقع الحال الْيَوْمَ بشكل معكوس. الكوتا الجندرية تحفظ التوازن بين الجنسين البشريين الذي حان زمن المساواة الكاملة بينهما.
قيل الكثير ونعيد القول إن الكوتا هي إجراء مرحلي مؤقت، فليس كثيراً اعتماد نسبة الثلاثين في المئة لمن تمثل نصف المجتمع. ماذا كان ليحصل مثلاً لو طالبت المرأة بجعل الرئاسات الثلاث مناوبة بين الجنسين؟
اقترح نظام الكوتا النسائية خلال المؤتمر العالمي الرابع للمرأة في بكين عام 1995 كآلية يمكن استخدامها كحل مؤقت لمشكلة ضعف أو أحياناً عدم مشاركة المرأة في الحياة السياسية أو في مراكز صناعة القرار، وأيضاً كحلّ مرحلي للحدّ من إقصائها وعدم تمثيلها أو ضعف التمثيل. وطبعاً، وقع لبنان على مذكرة عمل مؤتمر بكين والتزم تنفيذها. القانون كان ويجب أن يبقى دائماً في خدمة الإنسان لا العكس.
فتفضلوا بتعديل القوانين، ألغوا ما يجب إلغاؤه، حدثوا النصوص، ألسنا شعب «عالموضة»؟ لم تعد القوانين الجائرة جائزة.
أيها الرجل مارس الجرأة، تحرر مع المرأة، ثق بنفسك كما هي تثق بك.
أيتها المرأة، إياك أن تكوني عدوة نفسك الأولى، انتخبي المرأة وامشي معها المشوار الطويل. ادعمي المرشحات تكونين قد دعمت مجتمعاً بأكمله.
على المرأة أن تثابر لإثبات قدرتها في أي منصب تصل إليه كي يستمر انتخابها لاحقاً حتى في حال إلغاء نظام الكوتا لأي سبب من الأسباب وأولها انتفاء ضرورة وجود أي كوتا.
على أمل.
* إعلامية لبنانية