يحيي المنشد أحمد حويلي (الصورة)، الليلة، أمسية تحت عنوان «سجدة عشق». كنا، بصراحة، ننتظر فرصة للكتابة عن مشروعه مع الفنان زياد سحّاب، بعد متابعة لنشاطهما منذ بدء تعاونهما. هكذا، شرعنا في الكتابة، مركّزين على مساهمة زياد في المشروع نظراً إلى الزاوية التي قاربنا منها الموضوع.


اكتشفنا لاحقاً وتأكّدنا من الأخير أنه ليس مشاركاً في الأمسية! لا بأس. هناك عدّة أسباب تدفعنا إلى المضي في النشر، أبرزها، معنوياً، البرهان الواضح على الارتباط الوثيق الذي بات يجمع هاتين الشخصيتَين، ثم عملياً، الاستكمال الذي سيحظى به هذا التعاون مستقبلاً، بدءاً من أمسية قريبة ستجمع الرجلَيْن، أضف إلى أن برنامج الليلة سيحوي بعضاً من الأعمال التي أنجزاها سوياً.
إذاً، كل تجربة فنية جدّية يتجاوب معها المجتمع — بدرجةٍ تتخطى اللامبالاة ولا تبلغ الصرعة (أي الانتشار الواسع، المفاجئ والمحدود زمنياً) — وتتمتع بفرادة نسبية، تستوجب التأني في تناولها. ينطبق ذلك على اللقاء الفنّي غير العابر الذي جمع الفنان زياد سحّاب والمنشد أحمد حويلي من نحو سنتَين. زياد هو، بنظرنا، من أهمّ الذين صنعوا أغنية شعبية لبنانية هادفة اجتماعياً بين الفنانين الشباب في مرحلة ما بعد الحرب. فهو، أولاً، من القلة التي رفضت المتاجرة بالفن والرضوخ لديكتاتورية السوق المنحطّة موسيقياً وأخلاقياً. ثانياً، مشروعه مُستمَدّ من بيئته، بخلاف معظم الفرق الشبابية التي استنسخت تجارب غربية. ثالثاً، إنّه من أبرز ملحّني جيله القادرين على وضع جملة موسيقية جميلة، وتطويرها بعفوية وتماسك، واستخراجها من رحم النص الشعري الذي يكتبه هو في معظم الأحيان (وأفضل أغانيه هي من كلماته) وأدائها بشكل ملائم مع أنه لا يتمتّع بصوت مطرب بالمعنى الكلاسيكي. ولو ألمّ كفايةً بالتيّارات الغربية الأساسية، بمعنى الاستفادة من مخزونها وليس تقليدها، لكان ربّما قدّم نتائج محترمة في التوزيع الموسيقي الموَسَّع. رابعاً، يقول الرسّام اللامع فكرياً وفنّياً جورج وولينسكي، الذي قضى على أيدي الأوغاد في حادثة «شارلي إيبدو» (مع أنّنا «لسنا شارلي»)، إن أقصر طريق بين البشر هو الفكاهة.


سيقدّم المنشد أغنيات من ألبومهما المشترك الذي حوى أعمالاً لشعراء صوفيّين ومعاصرين

صحيح أن سحّاب لا يوفَّق دائماً بفكاهته، لكنّ «نيّته» بسلوك هذا «الطريق» شديدة الجهوزية، وذلك في أعماله وحياته. وقبل الولوج، من هذه النقطة تحديداً، إلى صلب الموضوع الذي نعالجه اليوم، أي مشروع الثنائي سحّاب/حويلي، نذكِّر بتوظيف زياد هذا الحسّ الفكاهي في برنامجٍ على الشاشة الصغيرة. بعض الناس تتمنّى لهم الخير، فتحزن لفشلهم وتصارحهم. بصراحة، لم يُوفَّق في تلك الخطوة، علماً أنها كانت الأولى من نوعها، وقدّ مهّدت لبرامج مماثلة مزدهرة جداً اليوم، ولهذا سبب: التوقيت غير الصائب. فقد كان واضحاً آنذاك أن التهريج، الذي ربما رفض سحّاب ممارسته في برنامجه (ولم يقدّم بديلاً مقنعاً لمتطلّبات التلفزيون)، هو عنوان المرحلة المقبلة (نحن في صميمها اليوم)، والدليل، وقتها، هو نجاح برنامج نكات تافهة تافه على المحطّة ذاتها (أطلّ فيه سحّاب ضيفاً مع الأسف). لكن، لماذا اخترنا الفكاهة للدخول في موضوعنا؟ في الواقع لأنّ أحمد حويلي آتٍ من خلفية دينية. لا فكاهة في الدين. وإذا انطلقنا من قول وولينسكي الآنف ذكره، هل يصبح الدين أطول طريق بين البشر؟ بعض المراقبات القديمة والمعاصرة توحي بذلك، على الرغم من أنّ الإجابة بـ «نعم» على السؤال الأخير تبقى معلّقة، وربّما مرفوضة، إلّا إذا تخيّلنا ثلّة من رجال الدين المفرَطي الجدّية حدّ الرعب! بالتالي، أحد العناصر المهمّة في هذه تجربة الصوفية التي تتخطى الدين في علاقة عشقٍ مباشرة مع الخالق (وتطال أيضاً عشق المرأة)، هو كسْر الجدّية الظاهرة (النصوص وشخصية المنشد وأسلوب الأداء) بفكاهة (في الحفلات فقط طبعاً) تقصّر المسافة بين المسرح والصالة مجازياً. ولكي لا يُفهَم هذا الكلام بأنّه ضدّ الجدية في العمل بالفنّ تحديداً، نستشهد بما قاله موزار بهذا الشأن: «لا أحب الذين لا يضحكون أبداً… إنهم أناسٌ غير جدّيين».
فنّياً، أغنى زياد سحّاب هذا اللقاء/التجربة بخبرته، وأعطاه، أولاً، دفعاً موسيقياً بالمعنى التلحيني والإعدادي، وثانياً، اتجاهاً لا تشوبه ملامح تجارية، بخلاف معظم ما قدّمه شريكه الحالي سابقاً. كذلك، يعتمد سحّاب في بناء بعض الأعمال على تقنية معروفة تقوم على عزف جملة معبِّرَة وقصيرة على عوده، وتسجيلها ثم بثّها بشكل متكرّر (Loop) والتقسيم أو العزف «فوقها» لمرافقة المنشد أو التمهيد له. نذكر هذا العنصر الموسيقي تحديداً للدلالة على أهمية وظيفته هنا. فهو يؤمّن الأرضية الصوتية المعتمدة بأشكال مختلفة في الإنشاد (مثل الـ «إيسون» في الترنيم البيزنطي وغيره) التي «يجلس» عليها المنشد للانطلاق صعوداً، والانخطاف، بفعل التكرار، نحو المعشوق الإلهي. إنه نوع من «درويش صوتيّ»، يفتل بثباتٍ، تماماً كما تفعل الدراويش في هذا النوع من الأمسيات.
أما أحمد حويلي فهو صاحب صوت مميّز وقويّ، متمكّنٌ من حرفة أداء النصوص التي تحمل ثقلاً في الصياغة والمعنى. عُرِف قبل هذه التجربة في البيئة الشيعية من خلال أداء أناشيد دينية (غاية في الرداءة موسيقياً) ولطميّات وكان له كذلك تجربة محدودة في الأوساط الفنية السائدة. ودون الدخول بمسألة ابتعاده عن بيئته (إن حصل ذلك) وتوجّهه نحو الصوفيّين الذين لا تحبّذهم كثيراً العقول المتزمّتة، نشير إلى أن تعاونه مع زياد سحّاب بدأ منذ نحو سنيتَين ونتج منه ألبوم بعنوان «عرفت الهوى» حوى أعمالاً يحمل شعرُها توقيع صوفيّين كلاسيكيّين (الحلاّج، رابعة العدوية، ابن عربي،…) ومعاصرين (مهدي منصور)، كما سبق وتلى العمل المسجَّل العديد من الإطلالات الحيّة المشتركة.
قد يستمر هذا المشروع طويلاً وقد يتوقّف بعد حين، لكنّه بالتأكيد سيترك أثراً إيجابياً في البيئتَين: تلك التي لا تحبّذ الموسيقى كثيراً وتلك التي أساءت إلى الموسيقى كثيراً.

أمسية «سجدة عشق» لأحمد حويلي: 20:00 مساء اليوم ـــ قاعة «بيار أبو خاطر» (الجامعة اليسوعية ـــ طريق الشام).