يبدو أن ثمة أكثر من عبيدو باشا. لنقل، لكل منا «عبيدوه». فالرجل الذي يجيد حياكة جملته، حتى تبدو حمالة أوجه، حاك حياته على هذا النحو. حتى صارت تجربته الممتدة على عقود من الزمن أشبه بممر طويل، على جانبيه أبواب كثيرة، كل منها يؤدي إلى مكان مختلف عن الآخر.


لكن الجامع بينها هو البناء نفسه. وبالفعل، فإن المحتفى به - صاحبنا - قد بنى عمارة من طبقات متعددة، بدءاً من النضال في متاهات الحرب اللبنانية، وصولاً إلى خنادق الكتاب والنقاد والمثقفين وبينهما طبعاً المسرحي الشغوف بالخشبة، الحامل لهمها كصليب على الكتفين.
لن أقدم قراءة أكاديمية لتجربة الصديق والزميل ورفيق البدايات، الشيقة الشقية والشاقة، بل سأكتفي برسم ملامح عامة لتجربة مبدع لبناني، ينبع من بيروت ويتفرع روافد كثيرة تصب في بحر واحد، يمكن أن نسميه الثقافة العربية بخصوصيتها اللبنانية ونكهتها البيروتية المفتوحة على أمداء واسعة، انفتاح المتوسط على حضارات وثقافات متعاقبة. فالبيروتي العتيق الذي اشتعل رأسه شيباً من كثرة المكائد والمحن، يحمل في كيس يومياته، ليس فقط أطعمة للهررة الشاردة التي يعشقها ويحنو عليها، بل يحمل أيضاً متاعاً من الأعمال المسرحية والنقدية والنصوص الغنائية التي شكلت علامات فارقة بالمسرح اللبناني والعربي، مروراً بالتأريخ الممتاز لتجربة المسرح اللبناني منذ مارون النقاش إلى يومنا، وليس انتهاء بالأغنية السياسية التي أرخها وكان أحد كتابها المميزين... ولم يكتف بها وبالكتابة عن بيروت ولبنان وفلسطين، بل كتب أيضاً للأطفال، أغنيات وقصصاً منطلقة من هاجس ثقافي وإنساني حميم ومحموم.
وبين هذه وتلك، كان عبيدو باشا يواصل كفاحه اليومي من خلال عمله الصحافي في الصفحة الثقافية لجريدة «السفير»، وفي منابر متعددة، آخرها توليه، منذ أسابيع قليلة، إدارة البرامج في إذاعة «صوت الشعب»، التي شهدت طوال مسيرتها إسهامات مميزة له، ولنخبة من مثقفي لبنان ومناضليه. وبهذا المعنى، نستطيع وصفه (لعبيدو باشا) وبراحة ضمير بالشغيل الثقافي أو بالكادح الذي لا يعود في المساء ليستلقي على أريكة الراحة والاسترخاء، بل لمغالبة الليل والتقاط ما تيسر من أحلام، عسى الغد يفسرها وقائع ملموسة.
توقيع عبيدو باشا حاضر على الدوام في كتاب المدينة. لا يمكن لنا تصور صفحات بيروت، لا سلماً ولا حرباً ولا بين بين، بلا توقيع عبيدو باشا. ليس فقط أسفل مقالة نقدية عن هذا العرض أو ذاك، بل على كثير من الأحداث والبرامج التلفزيونية والإذاعية التي عمل فيها جندياً مجهولاً وأضاف إليها من نكهته المشاكسة ومكره المبتسم.
جزء من ذاكرة بيروت المعاصرة وعلامة من علاماتها الفارقة. ووجه من وجوهها الكثيرة. شاب شعر رأسه ولحيته، ولم تشب أحلامه وتطلعاته.
ظل غصناً أخضر في شجرة عتيقة وارفة ومباركة اسمها الإبداع اللبناني.

* مسرحي لبناني ـــــ ألقيت الكلمة خلال «مهرجان الكتاب اللبناني – أنطلياس»