قبل ست سنوات، أحدث أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصر الله، زلزالاً بكل ما للكلمة من معنى في كيان العدو. يومها، قال في «ذكرى القادة الشهداء»: «إنّني في ذكرى السيد عباس، والشيخ راغب والحاج عماد، أقول لمجاهدي المقاومة الإسلامية: كونوا مستعدين ليوم إذا فرضت علينا فيه الحرب على لبنان، قد تطلب قيادة المقاومة السيطرة على الجليل». في مقابلات لاحقة، ردّد السيد كلامه عن جهوزية المقاومة للدخول الى الأراضي الفلسطينية المحتلة، والى منطقة «الجليل» تحديداً.


هذا الكلام الذي غيّر الاستراتيجية العسكرية، وجعل المقاومة في موقع الهجوم لا الدفاع، أحدث تغييراً لافتاً على طول الحدود الفلسطينية – اللبنانية، وأيضاً نفسياً، من القادة الصهاينة العسكريين وصولاً الى المستوطنين.
فيلم «جدار الوهم» (40 د ـــ إعداد وتنفيذ حسن حجازي، ومحمد شعيتو- مخرجة منفذة: سماح قبيسي) الذي سيعرض الليلة على «المنار» (21:30 )، يظهر حجم التغير النفسي والعسكري، بعد خطاب السيد عن جهوزية المقاومة لدخول الجليل.
يكشف الشريط بالصور استعدادات العدو، وتنفيذه لما أسماه خطة «دفاعية»، عبر رفع السواتر الترابية، وإقامة التحصينات والدشم والحواجز الإسمنتية. استعان العمل بأرشيف الإعلام العبري، بشكل أساسي، ليظهر حجم الارتباك والخوف بل الرعب المسيطر على الكيان بكل مفاصله. أرشيف كان حصيلة الرصد اليومي الذي يتم تجميعه من قبل القسم العبري في «المنار»، ليخلص إلى مادة بصرية وكلامية غنية لأبرز مواقف الداخل الصهيوني، من الإعلام والتحليل العسكري، الى الميدان لوجستياً من أجل إظهار هذه التحصينات، وأيضاً استطلاع المستوطنين القاطنين بمحاذاة الأراضي اللبنانية، عن أحوالهم، ونقل هذا الرعب اليومي الذي يعيشونه جراء تسليمهم بأن المقاومة ستدخل الأراضي المحتلة، وتكون المستوطنات على مرمى حجر منها.


يظهر حجم التغير النفسي والعسكري بعد خطاب السيد عن جهوزية المقاومة لدخول الجليل

«جدار الوهم» يستدلّ من اسمه، على أنّ كل ما يبنيه الصهاينة، ويحصنون الحدود به، هو ساقط حتماً، ومجرد وهم، لحدود وأرض هي تحت أعين المقاومين، في كل حركة يقوم بها الجيش الصهيوني هناك. في هذا العمل، سنرى كاميرا «الإعلام الحربي»، ترينا من مسافات قريبة، أعمال الحفر ورفع السواتر الترابية والجرف الاصطناعي. أيضاً، سنشاهد مدى اقتراب المقاومة من الداخل الفلسطيني المحتل، وكيف أن جنود العدّو وتحركّاتهم أقرب مما يعتقدون. في المنطقة المحاذية لقرية علما الشعب مثلاً، ترينا الكاميرا وجود 11 جندياً صهيونياً، يتنقلون من دون أي إجراءات حماية. إنّها بالتأكيد صورة كفيلة وحاسمة للقول بأن المقاومة قادرة على الدخول والاختراق وتتّبع تحركات العدوّ.
إنها المرة الأولى في تاريخ المقاومة التي «تتحول فيه من النمط الدفاعي الى العمليات الهجومية». تحليل تردد مراراً على شاشات إعلام العدو، الذي استنفر كما الطاقم العسكري، وأخذ يطمئن المستوطنين على الحدود، بأن الجيش الصهيوني يبني سداً منيعاً يحول دون دخول «حزب الله» الى الأراضي الفلسطينية. 29 مستوطنة محاذية أو قريبة من الشريط الفاصل بين فلسطين ولبنان، كانت عين المقاومة ترصدها، وتسجّل بالصور حجم التغيرات الجغرافية داخلها. كشف استطلاعي مفصلّ بالأرقام والصوّر، سيعرض للمرة الأولى، يزودنا بمعطيات دقيقة، عن خطة العدو لتحصين الحدود، وأيضاً، سدّ الثغرات التي قد تدخل منها المقاومة. على سبيل المثال، أنشأ العدو في منطقة «حانيتا» مقابل قرية علما الشعب، جرفاً اصطناعياً على ارتفاع 10 أمتار، بطول 4 كلم. وفي منطقة «وادي الدلم»، رفع جيش الاحتلال ساتراً ترابياً، على ارتفاع 6 أمتار، بطول 25 متراً. أما «مثلث شتولا»، فقد شهد إنشاء جدران إسمنيتة بارتفاع 6 أمتار، وارتفاع 100 متر. كل هذه التغيّرات والتحصينات، سنراها في «جدار الوهم». ورغم طمأنة الإعلام العبري والجيش الصهيوني المستوطنين، إلا أنّ هؤلاء ـ كما سيظهر في الفيلم ــ يبقون أسرى الرعب، وسيناريو دخول المقاومة، الى الأراضي المحتلة. في استطلاع للمستوطنين في نقطة «زرعيت» الحدودية، يروون كيف انتقل الكابوس اليهم من خوف من دخول المقاومة الى فلسطين المحتلة، الى تخيّل حفر «حزب الله» أنفاقاً تحت الأرض، وقد باتوا يسمعون أصوات هذا الحفر «تحت غرف نومهم»، وسط شكوى هؤلاء بأن الجيش لا يتجاوب معهم ولا يقف على هواجسهم.
تتفرع أهداف الفيلم الى ثلاثة أجنحة، يسردها لنا، رئيس القسم العبري في «المنار» حسن حجازي: بداية، يظهر حجم التغيّر في الاستراتيجية العسكرية، وانتقال العدوّ للمرة الأولى في تاريخه، الى «العقلية الدفاعية»، بعدما كان دائماً في موقع الاحتلال والهجوم .الأمر الثاني هو تغيّر موازين القوى بين العدو والمقاومة، وبالتالي تغيّر الواقع الاستراتيجي. إذ بات العدوّ هو من يتحصنّ، خوفاً من دخول المقاومة الى الأراضي الفلسطينية المحتلة، وينفذ خطة على الأرض. باتت المبادرة حتماً هنا بيد المقاومة. لعلّ أبرز ما يكشفه هذا العمل كما يروي حجازي، ما وصفه بـ «الهزيمة النفسية». رغم كل الإجراءات والتحصينات، وحملات الطمأنة من قبل الإعلام العبري والجيش على حدّ سواء، إلا أن المستوطنين وحتى أفراد جيش الاحتلال كما سيكشف العمل «مستعدون لكل شيء بما فيه الأكثر خطورة»، وهم على يقين، وتسليم مسبق بأن المقاومة ستدخل، وأن هذا السيناريو سيتحقق أيضاً.
إذاً إنها المرة الأولى، التي يحاول فيها الكيان العبري التحصّن، تحسباً لدخول المقاومة الجليل، والمرة الأولى التي تطرح فيها فكرة «إخلاء سكان المستوطنين»، منذ عشرة أعوام، وتسقط معها فكرة «الحدود الآمنة» الشمالية، إذ باتت اليوم مشرّعة للمقاومة رغم التحصين الشديد، فيما أغلبية المستوطنين المتواجدين هناك، لا يثقون بجيشهم، وبقدرته على حمايتهم. لذا هم دائماً على أهبّة القلق، وجاهزون لسيناريو الإخلاء الفوري، في حال حدث ما يخشونه، ويرتابون يومياً لحصوله: دخول المقاومة منطقة «الجليل».
يستهل الفيلم، مشهديته بمجموعة مقاومين، يتدربون، ويتسلقون الجبال، على أهبّة الاستعداد والجهوزية. ينتهي المشهد باللقطة الشهيرة للشهيد عماد مغنية، وهو يشير بيده على هيئة الحسم، ليبدأ بعده الفيلم، باستعراض كابوس الصهاينة. ربما قد تكفي هذه المشاهد، والى جانبها، اعتراف واضح من العدّو، بالإمكانيات العسكرية والميدانية وحتى الإلكترونية الهائلة للمقاومة. قد تكفي كل هذه المشهدية للاستدلال على جهوزية المقاومة لدخول الجليل في «الحرب المقبلة» المحتملة على لبنان، رغم كل التحصينات والجدران الإسمنتية، والتغيير اللوجستي. إنها فعلاً جدارن الوهم.

* فيلم «جدار الوهم» 21:30 مساء اليوم على قناة «المنار»




سرد وخرائط

ينجح عمل «جدران الوهم»، في حبك مضامين الإعلام العبري ومعالجته ليصبح مادة غنية ذات سرد تسلسلي واضح. إلى جانب ذلك، يستعين العمل بخرائط جوية للمناطق المحاذية والقربية من الشريط الفاصل بين لبنان وفلسطين المحتلة شُغِّلَت على طريقة الغرافيكس، لإظهار الكشف الاستطلاعي الذي أجرته المقاومة. كذلك عزّزت الصور الحيّة التي أظهرت المناطق عينها، قبل عمليات التحصين والجرف وبعدها، من أهمية الفيلم، لكونه يزوّد المشاهد بلقطات دقيقة وميدانية، ويوصل رسالة إلى العدو أيضاً، بأنه تحت مرمى المقاومة.