منذ تشكيل النواة الأولى للمقاومة الإسلامية، قررت قياداتها التواري عن الإعلام ووسائله. لم تتفاعل معه لا سلباً ولا إيجاباً. تعمّدت أن تركن إلى الصمت. لم تشأ أن تُعرّف نفسها بحملات إعلامية ترويجية، بل أرادت أن تكون إنجازاتها هي الشاهد عليها، أمام بيئتها الحاضنة التي بدأت تتشكّل منذ حزيران (يونيو) 1982.


في عام 1984، شكّلت المقاومة أولى لجانها «اللجنة الفنية للإعلام الإسلامي» التي أُسندت إليها العديد من المهام الإعلامية والفنيّة، منها التصوير الفوتوغرافي والفيديو. حضرت «اللجنة الفنية» في الميدان، مع المقاومين الأوائل، في المعسكرات، وأثناء الحصص التدريبية، وفي التحضير للعمليات العسكرية ضد مواقع الاحتلال في الجنوب. وإن كان بعضهم ظنّ بأن «الكاميرا» قد غابت عن الميدان، فإن الأكيد عند العارفين، أن «الكاميرا» كانت حاضرة وموجودة، لإدراك المقاومة لأهمية المشهد، ليس للإعلام ــ وإن كان ضرورياً ــ إنما لأرشفتها وجعلها مادةً توثيقية تُستخدم في التوقيت المناسب، لتحقيق هدفٍ، تكون تلك المادة عماده الأساسي.

بين حارة حريك... وتل أبيب

أولى العمليات التي ظهّرتها المقاومة هي عملية سجد عام 1986. تفاصيلها محفورة في أذهان كثيرين، لـ«إبرازها قوّة المقاتلين واستبسالهم في القتال». وطوال 18 عاماً، منذ الاحتلال حتى تحرير الجنوب، في أيّار (مايو) 2000، تطوّرت الرؤية الإعلامية لدى المقاومة. لم يكن الإعلام يوماً هدفاً بذاته، إنما وسيلة لإثبات كذب العدو. حرب أخرى، كانت تُخاض بين حارة حريك وتل أبيب. فحين كان قادة الاحتلال ينفون بيانات العمليات العسكرية، كانت قناة «المنار» تخرج لتعرض مشاهد اقتحامٍ، أو عبوةٍ، أو كمينٍ ضد جنود الاحتلال.

أما في تل أبيب، فكان المشهد مغايراً. كتب المعلّق رؤوبين فدهستور (14 آذار/ مارس 2000): «منذ سنوات يقوم حزب الله بشن حربٍ إعلامية مركّزة باتجاه الرأي العام الإسرائيلي. فعملياته يتم تصويرها، وتقوم وسائل الإعلام الإسرائيلية ببث هذه الأفلام المرة تلو الأخرى، مظهرةً الجيش الإسرائيلي في أسوأ حالاته. في مرحلة ما، كان جوهر عمليات حزب الله هو الصورة، لكن جيش الدفاع تجاهل ذلك، وأهمل الحلبة الإعلامية تماماً، إدراكاً منه بأنّ الرأي العام الإسرائيلي إلى جانبه دائماً».

عماد مغنية: الإعلامٍ يخدم القضية

مع تراكم الخبرة الميدانية لدى قيادة المقاومة، وتأسيس «الإعلام الحربي» (كان جهازاً يأتمرُ بشكلٍ مباشر من قبل «المعاون الجهادي»)، وتحديد وظيفته الإعلامية ودوره وسياسته، عُزّز حضور الإعلام و«الكاميرا» في العمل المقاوم، من المعسكر إلى زرع الراية على إحدى الدشم، مروراً بمختلف مراحل العمليات العسكرية أو الأمنية... لكن القفزة النوعية، كانت مع قيادة عماد مغنية للمقاومة الإسلامية بمختلف أذرعها. فقد «كان يستفيد من الإعلام في الزمان والمكان المناسبين، وبحسب طبيعة المرحلة، وبحسب نوع المهمة»، بتعبير أحدهم، متابعاً «الإعلام ليس من أجل سبق صحافي، أو التباهي بالقدرة والإمكانية، إنما الإعلام من أجل خدمة العمل والقضية، مع الضوابط التي تخدم المصلحة ولا تضرّها».
حدّد مغنية ضوابط «النشر»، لكنه شدّد، في الوقت نفسه، على ضرورة تواجد مقاتل «الإعلام الحربي» في أيّ مهمّة. وكانت البيانات والصور والفيديوهات والإنتاجات المتنوعة تحت إدارة وإشراف «الإعلام الحربي»، فـ«الصراع ليس ميدانياً فحسب، بل إنّ الترجمة العملية للإنجاز يكون عبر الإعلام بالطريقة التي لا تكشف أسرار المقاومة، إنّما تسدّد ضربة للعدو وجمهوره، وتحافظ على سريّة العمل وتخدم مصلحة المقاومة».


كان عماد مغنية يستفيد
من الإعلام في الزمان
والمكان المناسبين، وبحسب طبيعة المرحلة

رسم مغنية سياسةً إعلامية خاصة بالمقاومة، منذ تصديه لقيادتها. ينقل أحدهم تلك السياسة، قائلاً إن «الصراع حتى العام 2000، كان صراعاً على دحر الإحتلال من جنوب لبنان، إلى فلسطين المحتلة. أما في تموز (يوليو) 2006، فقد كان النصر واضحاً، إلا أن الإسرائيلي لم يشأ الإفصاح الكامل، لأنّه مُني بهزيمة عدم القدرة على تحقيق أهدافه». ويضيف، أنه بعد 2006، خَلُص مغنية وفريقه إلى أنه في «الحرب المقبلة يجب أن يكون النصر أوضح وأبرز، للإطاحة برصيد الثقة المتبقية بين الجيش ومجتمع الكيان، ومن أجل أن يدخل في الوعي واللاوعي الإسرائيلي أن الجيش الذي لا يقهر، يُقهر بقوة الإرادة وحُسن التخطيط».

«أرشيفٌ من ذهب»

اليوم، تبلغ المقاومة الإسلامية 35 عاماً. وإذا ما وضعنا ما ظهر من صورٍ أو مقاطع مصوّرة على «تايم لاين» استعداداً لبدء توليفه، فإنها لا تبلغ أعواماً عشرة. ما قدّمته المقاومة من مادة عرض لا يساوي شيئاً من أرشيفها. فهو غنيٌّ بالذكريات الأولى، وصور شهداءٍ ومقاتلين يخرجون إلى الضوء لحظة ارتقائهم، وعمليات عسكرية بتفاصيلها، وأخرى أمنية لم يُكشف عنها «ولن يُكشف»، كُلّها في «دُرجٍ واحد، مخبّأ جيّداً».
مع بدايات العمل المقاوم، كان المقاومون الأوائل يعمدون إلى رصد ومراقبة العدو بالعين المجرّدة، وكتابة تقاريرهم ورفعها إلى قيادة العمليات. لكن في مسعى التأكيد وجمع أدق المعلومات، حرصت المقاومة على تزويد نقاط الرصد، ومجموعات الاستطلاع بسلاحٍ جديد هو «الكاميرا». في بادئ الأمر، صوّرت تحركات العدو، لتعود لاحقاً إلى الافادة أكثر من التطور المعلوماتي المتوافر، فدمجت تلك المواد التي انتجها الجهد التقني ــ الجاسوسي، مع تلك المواد المصوّرة، فشكّلت مادة دسمة من المعطيات والمعلومات، بحيث أصبح العدو بين فكّي كماشة: مخترق من الناحية المعلوماتية من جهة، ومراقبٌ من الناحية البصرية من جهةٍ أخرى. هنا، بات للمقاومة أرشيف مصور ضخم، أحد أقسامه يتعلّق العدو، ويقدّم صورة دقيقة عنه وعن تحركاته، وآخر عن المقاومة بكافة تفاصيلها، لا يمكن أن يُنشر كاملاً يوماً ما، فيظل أرشيفها «محجوبا... لوفرة المعلومات وحجمها، ولتضمنها مواد لا يمكن لأحدٍ أن يخال أنها ملكٌ المقاومة منذ سنوات».




«الإعلام الحربي» نموذجاً

فرض الصراع القائم في المنطقة، من سوريا إلى العراق وصولاً إلى اليمن، سياسةً إعلامية مشتركة، لمواجهة الهجمة الإعلامية الشرسة على محور المقاومة. برزت عبارة «الإعلام الحربي» في معظم التسجيلات الميدانية، لمختلف فصائل محور المقاومة، متخذةً من «الإعلام الحربي» في المقاومة الإسلامية نموذجاً لها. واعتمدت على التقنيات المتوفرة لديها، وكوادرها البشرية لتبث ما يجري في ميدانها ضد عدوها، من «جبهة النصرة» وأخواتها، إلى «داعش»، فـ«التحالف السعودي» وأدواته في اليمن. حقّق هذا النموذج، بنسخه المختلفة ــ التي تطوّرت بقوّة في العامين الماضيين ــــ نقلةً نوعية في شكل ومضمون الصراع الإعلامي مع المحور الآخر في المنطقة، خصوصاً أنّ تلك التسجيلات تضمنت عباراتٍ قوية تحولت إلى وسومٍ على مواقع التواصل الاجتماعي. والفضل يعود إلى تلك «الكاميرا» التي وثّقت تلك اللحظة.