شِعْر عبد الغني طليس


عَلَى غَيْمَةٍ لَوْ كُنْتَ طَالَتْكَ أَذْرُعِي
لأنِّي على ماءِ النَّوازِلِ أَطْلَعُ
فَكَيْفَ إذا ما كنتَ في القلبِ قائِمَاً
تُصلِّي... وفي صَدري آذَانُكَ يُرْفَعُ؟

■ ■ ■

عَلِيٌّ هُنا.. جاري القريبُ وبِنْ أبي
وَصورتُه في البيتِ بي تَتَطَلَّعُ
أَأَذْكُرُهُ بالمُؤْمنينَ.. إِذَا ٱنبرَوْا
أم ٱني بإِنسانِ البَسَاطَةِ مُولَعُ
لَقَد كانَ في صدرِ الجدارِ مُكَرَّمَاً
ينامُ ويصحو والحكاياتُ تَلْمَعُ
وكُنا خروجاً في الصباح معاً
وفي الليالي أمامَ المُصطفى نَتَرَبَّعُ
وَنَظْرَتُهُ ظَلَّتْ عَلَيَّ كَنِعْمَةٍ
ترافقني كَهْلاً لِيَ الأرضُ تُوْسِعُ
وَضاعتْ سنينٌ في الهواءِ خفيفةً
شَعَرْتُ إذا ٱسْتَيْقَظْتُ مِنْها.. سأَفْزَعُ
وَعُدْتُ إلى بيتي فَلَمْ أَلْقَ صُورَةً
فأَجْفَلَ عِرْقٌ كادَ في العُنْقِ يُقْطَعُ
أَيَا صُورَةً في الرأسِ عَزَّ مَكَانُهَا
سَلاَمَاً على ما كانَ.. لَوْ كانَ يَرْجعُ!

■ ■ ■

عَلِيٌّ.. وَتمضي الأرضُ في هَذَيَانِها
تُعِزُّ ذَوي الألْقَابِ ثُمَّ تُودِّعُ:
مَليكٌ هُنا، مثلُ الضَّيَاغِمِ شارِبٌ
دَمَاً، وَلَهُ هَبُّ النَّسَائِمِ يَخْضَعُ
وَحُكْمٌ هناكَ الرِّفْقُ بَلْسَمُ شَعْبِهِ
إذا مَا تَرَاءَى لِلْجِرَاحَاتِ مَوْضِعُ
جميعُهُمُ مَصُّوا رَحيقَ زَمَانِهِمْ
وماتُوا، نَعَمْ مَاتُوا... وَلَمْ يَتَوقَّعُوا!
وَيَبْقَى خُلُودَاً مَنْ حَكَى اللَّهُ أَنَّهُمْ
كَإِبْدَاعِهِ... كُلٌّ بأيْديهِ يُبْدِعُ
وَهَذَا عَلِيٌّ.. لَيْسَ أَوَّلَ غَيْثِهِمْ
وَلَكِنْ لَهُ نَجْمُ المَوَدَّةِ يَتْبَعُ
فَفَاطِمَةٌ كانتْ مَحَاجِرَ روحِهِ
وَعَتْبَةَ بَيْتٍ، دَقَّةَ القَلْبِ تَسْمَعُ
وإِسْلاَمُه بالحبِّ أَرشَدَهُ إِلـى
إِلَـهٍ لَهُ عَيْنٌ مِنَ الشَّوقِ تَدْمَعُ
وَلُقْمَتُهُ كانتْ لِمُحْتَاجِها شِفَاً
وفي فَمِهِ مَا مَرَّ خُبْزٌ مُضَيَّعُ
فَتَىً لا فتىً إلاَّهُ قِيْلَ، وَشُوهِدَتْ
خَصَائِلُهُ مِنْ وَجْهِهِ تَتَضَوَّعُ
فعقلٌ لَه يُلْقِي على الشَرِّ قَبْضَةً
وَنفسٌ له تُبْدِي العفافَ وتَشْفَعُ
وَحَمَّلَهُ عَطْفُ النَّبِيّ هَنَاءَةً
إذا دَخَلتْ أَرضاً زَهَتْ.. وَهي بَلْقَعُ
نَبِيٌّ.. فَإنْ مَاتَ ٱختفَى قَمَرُ الرِّضَا
وَبانَتْ نوايا النّاس ثوباً يُرَقَّعُ
وَصَارَ خَفِيُّ البُغْضِ يُعْلِنُ نَفْسَهُ
فيرقُصُ جِنٌّ ما لِفَتْوَاهُ مَرْجِعُ
وصَارَ عَتِيُّ الجَهْلِ أرحَبَ غَابَةٍ
تَلُمُّ عيوناً بالخُرَافَاتِ تَقْشَعُ
وما تَلْكِمُ الأجْنَاسُ تَقْبَلُ نُصْحَهَا
بَلِ اعتادتِ الدَّهْرَ المُبَجَّلَ يَصْفَعُ
فَقَالَ«سَلُوني» صادقاً، لمْ يُصدّقوا
وَفَوْقَ وُجُوهِ القومِ رَفْرَفَ بُرْقُعُ
وَلَمْ يَنْثَنِ العَزمُ المُجَنَّحُ عندهُ
فَلَيْسَ عَلِيَّاً مَنْ إذا خَابَ .. يَصْدَعُ!

■ ■ ■

عَلِيٌّ أَمَامَ الكَونِ رَصَّ صُفُوفَهُ
وَرَأْسَانِ رَأْسُ السّيفِ: سَهْلٌ وَمُوجِعُ
يُحَرِّكُهُ فَوقَ الجيوشِ كَعَاصِفٍ
على وَقْعِهِ الأرضُ الغَشيمَةُ تَهْلَعُ
وَفَارِسُهُمْ يخشَى فَواتِكَ لَحْظِهِ
فَيَهْربُ خَوفَ الضَّرْبِ.. رِجْلاهُ أربعُ
وَتَقْلِبُ أَقْدَامُ الخيولِ رجالَها
وَنَظْرَتُهَا بَيْنَ القَوَائِمِ تُودَعُ
فَتَسْأَلُ أركانُ البَوَادِي تَعَجُّبَاً:
أَخَيْلٌ جَبَانٌ أَمْ على الخَيْلِ خُلَّعُ؟
إِلى الحَربِ كَرَّارٌ، إلى السِّلم مائِلٌ
في مُقْلَتَيْهِ الحربَ والسِّلمَ يجمَعُ
فلا نَتْعَةٌ للسَّيْفِ تُوجِبُ خَلْجَةً
بِسَاعِدِهِ، أو يُخْطِىءُ الدَّربَ إِصْبَعُ
وَكَمْ أرسلَ الصّوتَ البهيَّ مُحَلِّقَاً
فَأخضعَ ما بيْنَ الرُّؤى يَتَمَنّعُ
وَبَعْثَرَ في الأذْهَانِ بِئرَ مَوَاجِعٍ
وَأَسْمَعَ في الأرْجَاءِ ما يَتَصَدَّعُ
وَمَا كانَ في التفكير يَهْوَى ٱستحَالَةً
ولاَ كَانَ في التَّدبيرِ يَحْني وَيَجْزَعُ
وَحكَّمَهُ أهلُ النِّزَاعِ فَقَادَهُمْ
إِلى الحقِّ، إِنّ النَّاسَ لِلظُّلْمِ تَنْزَعُ
وَظَلَّ عَلَى التَّقْوَى يُقيمُ صِراطَهُ
ليولدَ من رُوحِ الصَّلاةِ مُشَرِّعُ
فَإنْ نُصِرَ الأَشْرَارُ كَانَ غَريمَهُمْ
وَإِنْ نُصِرَ الأخيَارُ فَهُوَ المُوَقِّعُ
وَكُلُّ خَطيبٍ مُدَّعٍ يَنْطَوي عَلَى
جَوَارِحِهِ حَتَّى يَكَادُ يُشَيَّعُ
مُهابٌ عميقاً ما يُهابُ بشخصِه
وذاك الذي فِيهِ يُهابُ ... لَمُمْتِعُ

■ ■ ■

تَأَدّبَ قُرآنَاً.. تَكَلَّمَ سُنَّةً
وَمَا كَانَ إِلاَّ بالسماويِّ يَطمعُ
وَدَارَ على الأيِّامِ يُلْقِي خِطَابَةً
كَأَسْرَابِ عُقْبَانٍ تَحُطُّ وَتُقْلِعُ:
عَنِ الأرضِ.. قَالَ الأرضُ غَرَّارَةٌ كَمَا
مَع اللَّوْنِ واللَّوْنِ الطّواويسُ تُخْدَعُ
عَنِ اللَّهِ في وجْهٍ جميلٍ لَهُ حِمَىً
وَبَيْنَ جَنَاحَيْنَا ٱرتَأَى العرْشَ يَرْفَعُ
وَعَنْ سِرِّ أَطْبَاعِ الرِّجَالِ فإنها
تُلاطِمُ أَطْبَاعَ السِّبَاعِ، فَتَسْبَعُ
عَنِ العُمْرِ نُمْضِيهِ أَسَارَى تَجَاشُعٍ
فيَخذِلُنا فيهِ ختامٌ ومَطْلَعُ
عَنِ الدِّينِ، إِنَّ الدِّينَ ما كانَ غِلْظَةً
وَلاَ رَبَّ بالتَّمْنينِ يُعْطي وَيَمْنَعُ
عَن الكَرَمِ اللَّمّاحِ والبُخْلُ حَاسِدٌ
وَهَلْ حَسَدٌ مَعْ ثَوْرَةِ النَّهْرِ.. يَنْفَعُ؟
وَعَنْ صِلَةِ الأرْحَامِ بالفقرِ والغِنَى
فَلِلطِّفْلِ مَا لِلشيخِ: حِضنٌ وَمَوْقِعُ
عَنِ العَدْلِ في الحُكَّامِ يَجْعَلهُمْ رُقَـى
وَأَسْمَاؤُهُمْ في صفْحَةِ الشَّمْسِ تُطْبَعُ
عَنِ المَوْتِ نُقْصِيهِ.. بِبَعْضِ خَوَاطِرٍ
وَلَكِنْ لَهُ في مَضْجَعِ البيتِ.. مَضْجَعُ
وَقَالَ«ٱضْربُوا رَأْيَاً بِرَأْيٍ فَيُولَدُ
الصَّوَابُ».. وَأَغْصَانُ الخليقةِ تَيْنَعُ
هِيَ الحِكَمُ الأَحْلَى مِنَ الوَرْدِ بَأْسُهَا
يَظَلُّ لَهَا مَا بَيْنَ صِدْغَيْهِ مَقْلَعُ
عَلِيُّكَ هَذَا، لاَ الفَصَاحَةُ أَنْجَبَتْ
وَلا نَطَقَ الميزانُ مَنْ مِنْهُ أَرْوَعُ

■ ■ ■

وَنَسْأَلُ: أَيْنَ النّاسُ مِمَّا فَعَلْتَهُ
وَعَاشَتْ بِهِ أَجْرَاسُ صَبْركَ تُقْرَعُ؟
فَهَلْ كَانَ في الآذَانِ صَمُّ حِجَارَةٍ
وَهَلْ كَانَ تَحْتَ الجِلْدِ.. وَحْشٌ مُقَنَّعُ؟
كَأَنَّ على الأَعْرَابِ لَعْنَةَ مَيِّتٍ
تَسَلَّمَ أَكْفَانَاً وَرَاحَ يُوَزِّعُ...
فَمِنْ بَعْدِ أَلْفٍ، قُلْ: وَأَلْفٍ وَنِصْفِها
صَنَعنَا مِنَ الإسلامِ... مَا كَانَ يُصْنَعُ:
قَتَلْنَا أَبَا بَكرٍ... لِنَحْلفَ بٱسمِهِ
وَفي عُمَرٍ... ضَاقَتْ عَلَى الثَّأْرِ أَضْلُعُ
وَعُثْمَانُ فَتّحْنَا جُروحَ قميصِهِ
وَقِصَّتُهُ فينَا تَجُوعُ .. وَتَشْبَعُ
وَأَنْتَ عَلِيٌّ.. شُقَّ رَأْسُكَ شَقَّةً
تَصَدَّى لَهَا رَأْسُ الحُسينِ المُرَوِّعُ
فَيَا عَبْقَ التَّاريخِ، هَذِي قُبُورُنَا
وَنَحْنُ على البَلْوَى فَظيعٌ.. وَأَفْظَعُ!؟

■ ■ ■

عَلِيٌّ هُو المَعْلُومُ مِمَّا عَرَفْتُمُ
وَمَجْهُولُ مَا أَوْحَى عَنِ الكونِ أَرْفَعُ
وَمَنْبرُهُ المَحْفُور أَحْرُفَ يَقْظَةٍ
يصيحُ ... وَأَعْنَاقُ المَنَائِرُ تَخشَعُ
عَلِيٌّ هُو الإِيثَارُ حَضَّرَ نَفْسَهُ
لآخِرَةٍ فيها المَرَاحِمُ أَوْسَعُ
ولولاه أبصَرْنَا بِأُمِّ قُلُوبِنَا
مَصَاحِفَ رَاحَتْ بالمصاحِفِ تُصرعُ
وَلَوْ شَاءَ مِنْ«يَوْمِ الغَدِيرِ» شَهَـادَةً
عَلَى حَقِّهِ، شُلَّ الذي ليْسَ يَقْنَـعُ
وَلَكِنَّهُ أَبْقَى بِمَوْقِفِهِ السَّمَـا
عَلَى قَدَمَيْهَا كِلْمةً لاَ تُزَعْزَعُ
ضميرٌ؟ أَمِ الإيمانُ؟ أَمْ جَمْرَةُ الذَّكَا؟
بُدورٌ عَلَى جَارِي عَلِيٍّ تُشَعْشِعُ
نَعُدُّ رِجَالاً؟ يَنْتَهِي العَدُّ عِنْدَهُ
وَنَقْتُلُهُ؟ ... نَهْجُ البَلاَغَةِ يَنْبَعُ...
لِيَبْقـى أبَ المَجْدَيْنِ: مجدِ مُقَاتلٍ
ومجدِ إمامٍ أولَ الناسِ يركعُ.