تحدث الرسام الهولندي بيت موندريان (1872-1944) مرة، عن غرض الفن الأساسي، واعتبره تعويضاً عن انعدام التوازن في الواقع الراهن، قائلاً: «سيختفي الفن بمقدار ما تحقق الحياة مزيداً من التوازن».


ولأن ظروفنا في العالم العربي تصرّ أن تكون على فوهة البركان، وتنفي بشكل قاطع إمكانية توازن الحياة فيها، ولو لبضع سنوات متتالية، فإنه من الملحّ على كل من يعمل في مهنة إبداعية مطروحة للرأي العام، أن يوظّف غالبية المنابر المتاحة له لإيصال رسالة إنسانية مباشرة أو مبطنة، علّها تنسجم مع روح، وشكل المكان الذي يطلّ منه، من أجل السعي نحو أي ملامح توازن منعدم في حياتنا.
وفقاً لما سبق، اخترت مع زوجتي الإعلامية زينة يازجي أن نشارك في البرنامج الترفيهي «ستارز أون بورد» وحرصنا ألا يكون مرورنا عابراً، يقتصر على صناعة الترفيه والتسلية، رغم أنها جزء أساسي من وظائف الفن. إلا أن حساسية الظرف الراهن، وقداسة المشهد الذي نستعيده يومياً لآلاف الهاربين من أبناء وطننا، الذين قضوا في غياهب الموج، هرباً من الموت، وسعياً وراء ملاذ أقل خطورة وأكثر أماناً، جعلنا ندعو المشاركين في البرنامج إلى استذكار اللحظة، والوقوف دقيقة صمت على تلك الأرواح البريئة التي تعنينا بالسوية ذاتها التي تعني غيرنا من الشرفاء، بأسلوب ينسجم مع ماهية المنبر وطبيعة الرحلة البحرية التي نشارك بها. وقد يكون خيارنا متماشياً مع قاعدة الكيميائي الألماني إرنست فيشر (1918-2007) عندما قال في كتابه الشهير «ضرورة الفن»: «لكي يصبح الإنسان فناناً، ينبغي له بالضرورة أن يتحكم بالتجربة، وأن يحولها إلى ذكرى، ويحول الذكرى إلى تعبير، ويحول المادة إلى شكل (...) وعليه أن يعرف حرفته، وأن يحبها، وأن يفهم كل قواعدها، وتقنيتها، وأشكالها، وشروطها التي بفضلها يمكنه أن يروض الطبيعة الشرسة، ويخضعها لقوانين الفن. إن الوجد الشديد الذي يحرق الفنان الهاوي يخدم الفنان الحق، بحيث لا يقع فريسة للوحش، بل يروضه». وإذا بنا نجابه بوحش الأمية وعماء البصيرة وغياب الضمير، بعد ترجمة المادة التلفزيونية الترفيهية، إلى مادة صحافية مغرضة نشرتها صحيفة «العربي الجديد» في عددها الصادر بتاريخ 3 نيسان (إبريل) 2017 تحت عنوان أصفر هو «ستارز أون بورد… استغلال لمأساة اللاجئين السوريين». كأن كاتبة الاعتداء المهني الذي نسميه مجازاً هنا «تقريراً»، لم تحضر من حكايتنا سوى الدقائق الثلاث الأخيرة، واستفاقت لتصوّب علينا مسدّسها المحشو بالكره، من داخل جدرانها الأربعة، التي بدت بمثابة قوقعة تحاصر طريقة مقاربتها للحياة. لا نعرف إن كانت كاتبة هذا «الاعتداء» تشاهد التلفزيون، أو تجول ولو عبوراً سريعاً على ما يتاح لبدائيتها من مواقع إلكترونية وتقارير إخبارية؟! نحن نشكّ في ذلك! فمنذ زمن لم تكن جريدة «العربي الجديد» قد أبصرت النور فيه، سارت زينة يازجي رحلة طويلة متنقلة بين كوكبة من محطات الفضاء العربي، واضعة في أسفل سلّم أولوياتها موضوع الشهرة وخطف الأضواء بشكل ادعائي، كونها تشتبك مع الواقع بنوع إعلامي هادف، لا يطمح أصلاً إلى البروباغندا الفارغة، وراحت من خلال مشوارها تتصدى لنقاش أهم القضايا العربية، وتساجل كبار المعنيين والمتحكمين بالقرار العربي، وتخوض في مماحكات كلامية مثمرة، مع عدد من المناضلين، والشخصيات المتفق على وطنيتها. في الوقت عينه، كانت تفتح المنابر لقضايا المشردين، واللاجئين والمستضعفين، وتترك لهم فرصة البوح عن معاناتهم... حتى إنها واكبت رحلات لجوء مواطنيها عبر البحر، خطوة خطوة، في حلقات ميدانية بثّت من شواطئ الموت التركية. ولا أعرف إن سمعت كاتبة «الافتراء» عما لاحقني شخصياً من حملات تشويه سمعة وشتائم وسباب، بسبب زياراتي منذ اندلاع الربيع الزائف، إلى مخيمات اللاجئين من أبناء بلدي، ولا منة لي في ذلك، لكنه من مهازل القدر أن نصبح عرضة مكشوفة، لمزاودات وقحة لا تحترم مبادرات الآخرين، وتحاول تسفيه كل ما تراه إنسانياً، نتيجة تشابك هائل لرواسبها ومخزونها غير الصحي!
أخيراً إن كانت مهمة الدراما وفقاً لأرسطو ترتبط بشكل وثيق بتطهير الانفعالات، والتغلب على الذعر والشفقة، وإلغاء الفوارق الاجتماعية في قلب الجمهور، بحيث تنشأ لدى هذا الجمهور أثناء استمتاعه بذلك الأثر، جماعة ليست منقسمة إلى طبقات، وإنما وحدة إنسانية شاملة، فإنه من وجهة نظرنا ترتكز مهمة الإعلام العربي، وخاصة صحفه الناشئة، في هذه المرحلة الخطيرة على تنقية كوادرها، وتخليص الطارئين بينها من نبرة التوتر والتناقض، والتغلّب على إيقاع الرعونة والسذاجة، والتسامي فوق حالة الحقد على أي نجاح، وتخفيف سوية العنف اللفظي، نتيجة التأثر بالمشهد العام، والذي يعتقد المصابون به أنّهم كلما قصفونا بكلام جزافي مؤذ، كلما أمعنوا في إصابة أهداف قيمتهم الزائفة، أو شهرتهم المفقودة!
* ممثل سوري