ابن حيفا الجميل، الطفل الفلسطيني الذي لم يكبر يوماً، يظل واقفاً على صهوة جواده حتى إبان رحيله وهو في الـ 71 من عمره. ولد أحمد دحبور في حيفا، لكنه كحال كثيرين هجّر إبان نكبة الـ 1948 إلى لبنان، ثم إلى سوريا، ومنها إلى مخيم حمص حيث نشأ ودرس. ورغم أنّه لم يتلق تعليماً كافياً؛ إلا أنّه سيترك لاحقاً أثراً شعرياً مدهشاً ولصيقاً بالذاكرة اليومية للشعب الفلسطيني.


كتب «اشهد يا عالم» التي ستغنيها فرقة الأغاني الشعبية والتراثية الفلسطينية «العاشقين»، لتكرّ السبحة لاحقاً مع أغنيات من نوع «يا شعبي يا عود الند» و«والله لأزرعك بالدار»...
عمل الشاعر مديراً لمجلة «لوتس» الثقافية حتى 1988، وهو العام نفسه الذي حصل فيه على «جائزة توفيق زيّاد» في الشعر. لاحقاً عمل مديراً لدائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية (أشبه بوزارة الثقافة اليوم)؛ فضلاً عن عضويته في «اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين».
تكمن قيمة دحبور الشعرية لا في خياله المتقن وتركيباته المعقدة كمحمود درويش، بل في اقترابه من الشارع اليومي الفلسطيني، فباتت الأغنيات المأخوذة من شعره اليومي والمعاش أقرب إلى الأيقونات. رددها الملايين من الشعب الفلسطيني والعربي باعتبارها تأريخاً للمرحلة ووصفاً دقيقاً وحقيقياً له؛ ولا يمكن نسيان مقطع «ثمانين يوم ما سمعناش يا بيروت غير الهمّة الإذاعية، بالصوت كانوا معانا يا بيروت والصورة ذابت في المية» (من أغنية/قصيدة «اشهد يا عالم»). قصيدة تحدّث فيها عن خذلان الأنظمة العربية للثورة الفلسطينية إبان الاجتياح الصهيوني لبيروت عام 1982، فيما يختم الأغنية نفسها بوعدٍ بات أشبه باللازمة الفلسطينية تجاه لبنان الذي أحب: «ودعناكي وإلنا عهد نرد جميلك هذا وعد، اشهدي يا بيروت علينا». شعرية دحبور لم تتوقف عند هذا الحد. كانت قصيدة «الطفل الفلسطيني» (كتبها عام 1964) واحدةً من أهم قصائده: «بلاد الله ضيقة على الفقراء، بلاد الله واسعة وقد تطفح/ بقافلة من التجار والأوغاد والأوباء /أياْمر سيدي فنكب أهل الجوع والأعباء؟ أنقذفهم ومن يبقى ليخدمنا؟/ إذن تصفح؟/ ويوم كبرت لم أصفح/ حلفت بنومة الشهداء بالجرح المشعشع فيّ/ لن أصفح/أنا الرجل الفلسطيني/أقول لكم: راْيت النوق في واد الغضا تذبح/ رأيت الفارس العربي يساْل كسرة خبز من حطين ولا ينجح/ فكيف بربكم اصفح؟»
أصدر دحبور ثماني مجموعات شعرية، أشهرها «الضواري وعيون الأطفال» (1964)، و«حكاية الولد الفلسطيني» (1971) و«شهادة بالأصابع الخمس» (1983). بعد اتفاق أوسلو، عاد إلى غزّة لربما لقربها من حيفا مدينته الأم، لكنه عاد واختار رام الله «كمنفى اختياري»، إذ تبعاً لكلامه: «كل حيٍّ وله حيفاه، إلا أنت دون حيفا».
لا يمكن النظر إلى الخسارة الكبيرة التي يخلّفها دحبور وراءه إلا بالنظر إلى الفراغ الذي يتركه هؤلاء الشعراء الكبار على الحالة الفلسطينية خاصةً والعربية عموماً، إذ باتت تفتقر إلى شعراء يعبرون بشكلٍ حقيقي وواقعي عن آلام شعوبها وتجاربهم اليومية.