كان ذلك في احدى ورشات «المؤتمر التشاوري لإطلاق الخطة الخمسية للنهوض الثقافي في لبنان»، يوم ٤ آذار (مارس) الماضي. قد لا نعرف أبداً ما الذي أفضى إليه «التشاور»، ولا ما هي الخطوات العمليّة اللاحقة لبلورة هذه «الخطة الخمسية» العتيدة.


لكننا نذكر أننا تهنا بين دهاليز قصر الأونيسكو، بحثاً عن الركن المخصص لـ «الرقص المعاصر». وحين وجدناه، كان هناك بضعة أشخاص تائهين مثلنا، معظمهم جاؤوا لجلسة الدبكة… «مُقرر الوزارة» لم تكن لديه فكرة عن الموضوع، ولا عن المشاركين. كان على عمر راجح وميا حبيس أن يشرحا الحكاية من أوّلها. بعد ١٣ عاماً من العمل المضني لتأسيس تقاليد وقواعد ومرجعيات وجمهور، وتنظيم أهم مهرجانات الرقص المعاصر في المنطقة، شعرنا أننا نحط في قارة مجهولة. هكذا هي الحركة الثقافية في لبنان، دائماً نبدأ من الصفر. نعرف الهوّارة والبعلبكيّة وهز البطن، يقول الحضور، نعرف الفالس والتانغو، نعرف الباليه طبعاً، بس شو يعني رقص معاصر؟
طبعاً لم يقصّر مديرا «مقامات» في دورهما التربوي يومذاك، وهما يملكان صبراً عظيماً، وتفاؤلاً مدهشاً، بدليل البرنامج الحافل لـ «ملتقى بيروت للرقص المعاصر» الذي يفتتح اليوم في لحظة سياسيّة متفجرة… من لا شيء إنطلق عمر راجح ليؤسس المهرجان الذي صار بسرعة عربياً وعالميّاً. وحين انضمّت ميا حبيس إلى المغامرة، كانت مرحلة النضج تقتضي تغيير التوجّه والمقاربة، لتلبية حاجات جمهور بات أكثر تطلّباً. يتعامل القيمون على BIPOD بحكمة مع المصاعب، وقد بلغ بهم الأمر إلى حد نصب خيمة في العراء بمساعدة البلدية والمحافظة، وتجهيزها لهذه الدورة. تماماً مثل فنّاني السيرك والفرق المتجولة الذين يولون اهتمامهم للانسان أولاً.
لكنّ هذه المشاريع لا يمكن أن تقوم وتستمر على كاهل أفراد. مؤسسة مثل BIPOD، إذا شاءت الاستمرار والنموّ والانتقال إلى جيل جديد، إما أن تقوم على شراكة مع القطاع الخاص، وهو في لبنان، بشكل عام، طفيلي مزاجي قائم على الربح السهل والريعي والسريع. وإما على دعم القطاع العام. وهذا يعيدنا الى البداية. ماذا يمكن أن نطلب من وزير استلم جعبته، كما يحدث دائماً، على أساس مساومات وتوازنات لا علاقة لها بالمصلحة العامة؟ الطبقة الحاكمة لا تستطيع أن تنظر إلى الثقافة إلا بصفتها مناسبات اجتماعية، واستغلالاً سطحياً للتراث، فيما هي صناعة قائمة على مهن ومهارات واختصاصات وبنى تحتية، وشبكات انتاج وتوزيع وتواصل. «النهوض بالثقافة» يبدأ من تخصيص وزارة الثقافة بواحد في المئة من الموازنة العامة. لا بد من الاستثمار في الثقافة، وتأمين انتشارها، وادخالها في التقاليد والممارسات اليوميّة، قبل أن يقضي التصحّر على آخر بؤر النهضة. في انتظار ذلك، سيبقى عمر وميا وحدهما داخل «سيتيرن بيروت». وسنزورهما بكثافة، بحثاً عن ذواتنا، خلال الاسبوعين المقبلين.