لم نعد نتحدّث عن موت الأقراص المدمجة وحلول النسخ الرقمية مكانها، لأنّ هذه المرحلة باتت أمراً واقعاً منذ سنوات. فاللاعب الأكبر في سوق صناعة الموسيقى اليوم هو خدمات التدفّق عبر الإنترنت (ستريمينغ).


للمرّة الأولى منذ حوالى 20 عاماً، حقق الاستماع إلى الموسيقى عبر الـ «ستريمينغ» العائدات الأكبر في الولايات المتحدة خلال عام 2016. هذا ما كشفته الأرقام الرسمية التي نشرتها «رابطة صناعة التسجيلات الأميركية» (RIAA) في 30 آذار (مارس) الماضي. أوضحت الرابطة أنّ الإيرادات الإجمالية في عام 2016 زادت بنسبة 11.4 في المئة مقارنة بعام 2015، لتحقق 7.7 مليار دولار أميركي، وهو الربح السنوي الأعلى منذ عام 1998. لكن على الرغم من هذه النتيجة الممتازة التي تعطي أملاً لصناعة تعاني منذ سنوات من تراجع حاد في الأرباح نظراً إلى أسباب عدّة (أهمّها انتشار القرصنة)، لا تزال المكاسب تعادل نصف تلك التي كانت تحقق في أواخر تسعينيات القرن الماضي، أي قبل الثورة في الموسيقى عبر الشبكة العنكبوتية.
وفي سياق شرح النتائج التي أصدرتها، لفتت «رابطة صناعة التسجيلات الأميركية» إلى أنّ الأموال المحصلة من الاشتراكات المدفوعة وخدمات التدفّق عبر الإنترنت مثل «سبوتيفاي» و«آبل موزيك» و«تايدال»، زادت «أكثر من الضعف خلال العام الفائت فقط، مسجلة في عام 2016 أكثر من 22.6 مليون». واللافت في الموضوع، أنّ خدمات التدفّق وحدها استحوذت على 51 في المئة من عائدات صناعة الموسيقى في 2015، بعدما كانت 9 في المئة فقط في عام 2011. مع العلم بأنّ خيارات الـ «ستريمينغ» صارت أوسع بالنسبة إلى المستخدمين، مع دخول «آبل» إلى السوق في 2015، وإطلاق «أمازون» أخيراً خدمة خاصة بها.
على الخط نفسه، كان «الاتحاد الدولي لصناعة التسجيلات الصوتية» (IFPI)، الذي يتخذ من لندن مقراً له، قد أعلن تزايداً «تاريخياً» في هذا النوع من الأرباح في 2015، وهو ما أكدّه أيضاً في أحدث تقاريره السنوية الصادر في 12 نيسان (أبريل) الحالي، والذي اعتمد فيه على إحصاءات أجرتها شركة Ipsos Connect على 12,600 مستخدم للإنترنت في 13 دولة مختلفة.


سهولة استخدام، وأرباح مالية للفنانين، وحماية للملكية الفكرية من القرصنة


غير أنّ الـ «ستريمينغ» الذي يمكّن الناس من اختيار الأغاني التي يريدونها عبر الإنترنت والخيار المفضّل بالنسبة إلى جيل الشباب، أدّى إلى خسائر على صعيد أشكال (formats) أخرى، لطالما شكّلت مصادر أساسية لجني المال بالنسبة إلى الفنانين. فالإيرادات الأميركية من التحميل الرقمي عبر منصات مثل «آيتيونز» على سبيل المثال تراجعت بنسبة 22 في المئة العام الماضي، بينما تراجعت مبيعات الـ «سي. دي» بنسبة 21 في المئة. وحدها الأسطوانات شهدت ما يمكن وصفه بـ «ولادة جديدة» بفضل اهتمام المقتنين الجديين، لكن التحسّن على هذا الصعيد لم يكن سوى 1 في المئة.
احتفت غالبية استديوات التسجيل الأميركية البارزة (يونيفيرسال، سوني، وورنر بروز، emi...) بالـ «ستريمينغ» كطريقة جديدة لإنعاش سوق صناعة الموسيقى، بعد أعوام طويلة من الصعوبات التي بدأت مع موجة التحميل غير المشروع عبر الإنترنت في التسعينيات. لكن هناك فنانون لم يخفوا امتعاضهم من الأرباح القليلة التي يجنونها من الـ «ستريمينغ»، على الرغم من إعجابهم به كوسيلة جديدة وفعّالة للظهور. رئيس مجلس إدارة «رابطة صناعة التسجيلات الأميركية» ومديرها التنفيذي، كاري شيرمان، حذّر مما يحمله المستقبل في هذا المجال، خصوصاً أنّ التحسّن جاء بعد سنوات من النتائج السيئة والتراجع: «رغم حماستنا الشديدة للنمو المسجّل في عام 2016، لا بد من التنبّه إلى أنّ التحسّن لا يزال هشّاً ومحفوفاً بالمخطار». وفي تدوينة نشرها الأسبوع الماضي، أوضح شيرمان أنّ السوق «لا تزال قيد التطوّر، ويجب ألا ننسى أنّنا واجهنا انعطافات عدّة غير متوقعة في السابق». ورأى أنّه في ظل الانحدار الملحوظ للأقراص المدمجة والتحميل الإلكتروني، «يجب قيادة سوق «ستريمينغ» تقدّر القيمة الكبيرة للموسيقى».
على الضفة نفسها، صعّد القائمون على سوق صناعة الموسيقى في الولايات المتحدّة حملتهم الداعية إلى تعديل قانون Digital Millennium Copyright Act الصادر عام 1998، إذ يعتبرون أنّه يجب أن يكون «أكثر صرامة» في إجبار يوتيوب و«غوغل» على اتخاذ «إجراءات أقوى في محاربة الموسيقى غير المصرّح بها».
وللمفارقة، وفيما تجاهر غالبية الفنانين بانتقاداتها للرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، يعتقد بعض اللاعبين في صناعة الموسيقى أنّ فرصة إدخال تعديلات على القانون تكون أكثر مراعاة لحقوق الملكية الفكرية أكبر في ظل سيطرة الحزب الجمهوري على الكونغرس والبيت الأبيض.
وعلى الخط نفسه، وفيما يعتبر كثيرون أنّ الازدهار في مجال الـ «ستريميتغ» أسهم في محاربة السرقة، لفت «الاتحاد الدولي لصناعة التسجيلات الصوتية» في تقريره الأخير إلى أنّ القرصنة «لا تزال مسألة شائعة، لكن بوتيرة أخف وطرق مختلفة».
تصميم عماد خالدي | للصورة المكبرة انقر هنا

الواقع في العالم العربي لا يختلف كثيراً. صحيح أنّ التحميل عبر الإنترنت لا يزال حاضراً في مقابل بدء انحسار الإقبال عليه عالمياً، لكن لا شكّ في أنّ الـ «ستريمينغ» سيكون نجم الساحة خلال الفترة المقبلة. هاتان الطريقتان في الاستماع إلى الموسيقى والتعرّض للمحتوى الفني إلى جانب يوتيوب، هي محط تركيز واهتمام شركات الإنتاج في منطقتنا.
«الاعتماد على التطبيقات في الترويج للألبومات أصبح أساسياً بالنسبة إلى جميع الفنانين وشركات الإنتاج، بسبب كثرة القرصنة وقلّة العائدات من سوق الألبومات التقليدية السائرة نحو الاختفاء. كما أنّ اتجاه العالم أجمع اليوم نجو الديجيتال»، يقول مصدر في شركة «بلاتينوم ريكوردز» (تابعة لمجموعة mbc السعودية) في مراسلة مع «الأخبار» عبر البريد الإلكتروني. ويشير المصدر نفسه إلى أنّ سوق الألبومات «انخفض بشكل كبير في الفترة الماضية، وقلّة من الفنانين تبيع أعداداً ملحوظة من الألبومات تمكنهم من جني الأرباح. على الضفة الأخرى، انتشرت التطبيقات الموسيقية بشكل كبير، فيما بدأت تسجّل عائدات كبيرة. وجود الألبومات صار مجرّد «بريستيج» إذا جاز التعبير». أما عن أكثر التطبيقات التي تتعاون معها «بلاتينوم ريكوردز»، فيؤكد المصدر أنّ «تطبيق «أنغامي» هو الأكثر شهرة وحضوراً في الوطن العربي، فضلاً عن بعض التطبيقات العالمية الأخرى، كـ iTunes وApple Music وغيرهما».
كلام، لا يختلف معه المدير التنفيذي للشؤون الفنية في شركة «روتانا للصوتيات والمرئيات»، طوني سمعان. إذ يعتبر في حديث إلى «الأخبار» أنّه «كما حلّ الـ cd مكان الكاسيت، سيحل الـ downloading والـ streaming مكان الـ cd». فهذان الأسلوبان «وفّرا على الناس تكبّد عناء الذهاب لشراء الألبومات واقتنائها. بات المحتوى جاهزاً أمامهم، وما عليهم سوى الضغط على الزر واختيار ما يريدونه». يعتقد معدّ البرامج التلفزيونية أنّه صار على شركات الإنتاج «مواكبة ما يجري والتماشي مع كل المتغيّرات، إن لناحية الاستراتيجيات التسويقية والإنتاجية، أو لجهة الأداء، وتطوير الوسائل والكادر العامل، وصولاً إلى الفنانين»، لافتاً إلى أنّها «حلقة متصلة وكل عناصرها على قدر من الأهمية، بما فيها مواقع التواصل الاجتماعي التي صارت أساسية في العمليتين الترويجية والتسويقية». لا يسمّي سمعان تطبيقاً محدّداً تعتمد عليه «روتانا» أكثر من غيره في ما يخص التحميل الإلكتروني والـ «ستريمينغ»: «نتعامل مع كلّ المنصات المتوافرة، كلّ حسب قوّة وجوده في البلدان (Apple Music، و«أنغاني»، و«سبوتيفاي»، وiTunes، و«غوغل بلاي»...). ولا شكّ أنّ العائدات المالية «قادرة على تغطية الكلفة وتحقيق الأرباح، وإلا لما أصبحت هذه الوسائل أساسية اليوم».
ولأنّ تطبيق «أنغامي» أثبت نفسه ركناً أسياسياً وفعّالاً في انتشار الموسيقى في العالم العربي، كان لا بد من التوقّف عند هذه التجربة الفريدة من نوعها في منطقتنا (راجع الكادر). في اتصال مع «الأخبار»، يعلن الشريك المؤسّس والمدير التنفيذي لتطبيق «أنغامي»، إيدي مارون، أنّ الأقراص المدمجة «ماتت فعلياً، واستدبلت بخيارات رقمية عدّة، أكثرها شهرة وانتشاراً اليوم الـ streaming. حتى يمكننا القول إنّ مفهوم الألبوم بحد ذاته في طور الاندثار». في هذا الإطار، يسشتهد مارون بمغني الراب الكندي «دريك» الذي أطلق الشهر الماضي، عبر «سبوتيفاي» و«آبل ميوزيك»، أحدث أعماله More Life، واصفاً إيّاه بالـ playlist (لائحة أغاني)، لا الألبوم كما جرت العادة.

للمرّة الأولى منذ 20 عاماً، حقق الـ «ستريمينغ» في 2016 العائدات الأكبر في الولايات المتحدة


لا يترّدد مارون في تأكيد أنّ «أنغامي» الذي يتخذ من بيروت مقراً له هو الرقم واحد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، رغم دخول بعض الشركات العالمية الناشطة في هذا المجال على الخط. فله قاعدة جماهيرية عريضة «تتسع لـ32 مليون عملية تحميل، و5 ملايين مستمع نشط شهرياً، يختارون موادهم المفضلة من بين 20 مليون عمل غنائي عربي وعالمي مجاناً، مع معدّل استماع شهري قدره 500 مليون أغنية»، وفق ما ذكرت النسخة العربية من مجلة «فوربس» الأميركية المتخصصة بالأعمال.
أسباب تفضيل الفنانين لـ «أنغامي» وتركيزهم عليه واضحة ومعدودة. «طريقة عملنا وسعينا الدائم إلى التطوّر، أدّيا إلى حصول الفنان على انتشار أوسع وفي وقت قصير جداً، وعائدات مالية. وهناك عامل مهم جداً وهو أنّنا أمام منصة تقدّم المحتوى بطريقة جميلة ومحترفة. نهتم بأدق التفاصيل بالنسبة إلى الفنان والجمهور على حد»، يقول مارون. ثم يكمل شارحاً: «مثلاً، وإلى جانب الأغاني الحديثة، نوفّر الأغاني المنفردة، والسير الذاتية، والألبومات السابقة، وغيرها من التفاصيل المتعلقة بالفنان وقد تهم المستمع. والأهم أنّنا نساهم في حماية الأعمال الفنية من القرصنة، وحماية الملكة الفكرية لأصحابها، ما يؤدي بالتالي إلى تعزيز الأمل لدى العاملين في صناعة الموسيقى».
ويلفت مارون أيضاً إلى أن النجوم يعتمدون على يوتيوب أيضاً لأنّه يحقق لهم درجة مهمّة من الانتشار، «لكن الـ «ستريمينغ» يتوفق عليه شيئاً فشئياً».
هنا، يبرز سؤال أساسي حول طريقة حصول «أنغامي» على الأرباح؟ يوضح مارون أنّ الاشتراكات المدفوعة تشكل «70 في المئة من إيراداتنا حالياً. وهي آتية بمعظمها بواسطة شركات الاتصالات، أما الأرباح الإضافية فتؤمنها الإعلانات التجارية، إضافة إلى جزء تحققه صفقات نجريها مع مؤسسات تدعمنا مالياً». وفيما يعمل Anghami على توسيع وتنويع إطار عمله في مجال إنتاج الموسيقى، صار اليوم الخيار الأوّل بالنسبة إلى عدد هائل من الفنانين العرب لإطلاق أعمالهم حصرياً. ومن بين هؤلاء نذكر: إليسا، وكاظم، ومايا دياب، ومحمد عبده، رابح صقر، ومحمد عساف، ونوال الكويتية، وعبد المجيد عبد الله، وجوليا بطرس، ومروان خوري، وفارس كرم، وناصيف زيتون، وهبة طوجي، وآخرين. علماً بأنّه ساهم أيضاً في رعاية فنانين صاعدين ودعمهم في سبيل بث أعمالهم الفنية.
كما كلّ المجالات، يتأثر الفن والموسيقى اليوم بالثورة الرقمية التي لا يمكن كبح جماحها. لكن يبدو أنّ الانعكاسات على هذا المجال لم تكن سلبية، على أن تتكشّف الصورة في العالم العربي أكثر مع مرور الوقت.




«أنغامي»... تجربة عربية رائدة

لم يولد تطبيق «أنغامي» بين ليلة وضحاها. فكرة إطلاق مشروع تجاري متخصص بالبث الموسيقي الإلكتروني خطرت أوّلاً في بال إيدي مارون (41 عاماً) الذي كان يعمل في مجال ابتكار المنتجات في إحدى شركات الاتصالات. عرض مارون الفكرة على زميله مهندس برامج الكمبيوتر، إيلي حبيب (43 عاماً)، الذي كان يرأس قسم التكنولوجيا في الشركة عينها. استقال الثنائي (الصورة) في عام 2012، لينطلقا في مغامرة تأسيس Anghami. في الوقت الذي تولّى فيه حبيب الجانب التقني، راح مارون يتواصل مع شركات الإنتاج. وبعد مخاض عسير وطويل، ولد تطبيق «أنغامي» في العام نفسه، متيحاً تحميل الأغاني قانونياً، ومستقطباً حوالى مليون مستخدم في أربعة أشهر فقط. التطبيق الذي يعمل بأسلوب شبيه بتطبيق «سبوتيفاي» الشهير، يمكّن المستخدمين من الاستماع إلى عدد لا متناهي من الأغاني مجاناً، لكنّهم في هذه الحالة ملزمين بمشاهدة الإعلانات التجارية. لكن في حال دفع اشتراك شهري بقيمة 4.99 دولار أميركي، تتوافر إمكانية تحميل عدد غير محدود من الأغاني متاحة، إضافة إلى الاستماع إليها في أي وقت من دون الحاجة إلى الاتصال بالإنترنت، وطبعاً من دون إعلانات. أما بالنسبة إلى أولئك الذين لا يريدون دفع اشتراكات شهرية أو لا يفضّلون الدفع عبر الشبكة العنكبوتية، فعقدت «أنغامي» شراكات مع أكثر من 20 شركة اتصالات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تتيح للناس فرصة استخدام التطبيق عبرها، فضلاً عن الاستماع إلى البث الموسيقي عبر هواتفهم المحمولة، من دون أي رسوم مقابل استهلاك حزم البيانات إلى حدٍّ معيّن.