كالعادة، تتعالى أصوات بعض صنّاع الدراما السورية، مطلع رمضان لمطالبة الجمهور والنقاد بالترّيث في إطلاق أحكامهم على البضاعة التلفزيونية الموسمية، بخاصة أن كل مشاهد يملك اليوم منبره الافتراضي الخاص، لكن ذلك لم يعد ينفع، فالمسلسل التلفزيوني يصبح ملكاً لجمهوره منذ لحظة رؤيته النور. ويفترض أن تتمكن الحلقات الأولى من جذب أكبر عدد من الجمهور، وخصوصاً مع كمية الأعمال المعروضة.


هكذا، يمكن بناء آراء مبدئية في عموم ما يعرض من دراما سورية. لن يحتاج الأمر سوى إلى جردة سريعة تظهر حجم الاسترخاء لدى صنّاع هذه الأعمال وتراجع الشعور بالمسؤولية في ما يخص تقديم عمل فني عبر وسيلة جماهيرية. وإذا كان سهلاً التبرير للأعمال التي صوّرت داخل دمشق بأنّ المنجز الثري هو ظهورها من تحت ركام سوريا وحجز مكانها على الفضائيات، فإنه من غير المنطقي أن نتابع مسلسلات صوّرت في ظروف إنتاجية باذخة خارج سوريا ثم جاءت النتائج مخيبة. هكذا، نتابع في «العرّاب» المأخوذ عن الفيلم الشهير (سيناريو وحوار حازم سليمان وإخراج المثنى صبح ـ «روتانا خليجية» و«سما» و«الجديد») تعدياً سافراً على أيقونة سينمائية شهيرة، صنعت مجدها عبر تبنيها لعقلية بنت عصرها. ولا يمكن التعاطي مع المسلسل بعيداً عن الفيلم، طالما أنّ الأول يستهلّ قصته بمشهد منسوخ عن الشريط ثم يغرق في ما يشبه الدعايات التجارية للمفروشات الأوروبية، مع ضياع تام لمعالم القصة ومجافاتها لألف باء الدراما طالما أنها لا تنسب الحكاية إلى مكان وزمان واضحين. كذلك، يغيب المخرج عن دوره كقائد أوركسترا يجمع عازفيه على روح واحدة. على طرف آخر، يتمكّن «العرّاب – نادي الشرق» المأخوذ عن الفيلم ذاته لرافي وهبي وحاتم علي («أبو ظبي»- osn- «الحياة») من جذب الجمهور بذريعة التناغم الحاصل بين نجوم العمل، لكنّ حالة الأبهة التي تعتري مفاصل اللقطات تحيلنا على الأعمال التركية. يشعر المتابع أحياناً بأن الأصوات التي حفظ رنتها جيداً رُكِّبت على قصة غريبة لا تشبه مجتمعتنا، فيما يقع الحوار في مطب التنظير ويجرّب التصدي للعواصف الاقتصادية التي غرقت فيها البلاد عبر سنين طويلة من خلال ثرثرات عائلة وأصدقائها اجتمعوا في حفلة عرس، فاستمرّت أربع حلقات متتالية! طبعاً كل ذلك لا يلغي حالة المتعة التي يخلقها المسلسل وتحديداً في أداء ممثليه. من جانبه، يأسر «غداً نلتقي» («أبوظبي»- ldc) لاياد أبو الشامات ورامي حنا متابعيه، وخصوصاً أنّه يقدّم المعاناة السورية في بيروت من خلال نماذج مهجّرة سحقتها الحرب، لكنها لم تتخل عن الأمل، إما بالهجرة أو مواصلة الحياة. نتابع كاريس بشار (وردة) في دور جديد كلياً وهي تمشي في أدائها خطوة تلو الأخرى ببراعة تتقاسمها مع كامل ممثلي المسلسل كأنها ترمز للكارثة السورية كاملة، سيما عندما تبدأ بنسج تفاصيل يومياتها الكوميدية بلونها الأسود فوق رأس جثة تهم في تغسيلها.


لم تحقق أمل عرفة
في «دنيا» الأثر الذي أحدثته قبل عقد ونصف عقد
بالطريقة ذاتها، ينجح «بانتظار الياسمين» لأسامة كوكش وسمير حسين (دبي) في القبض على جزء من الحقيقة السورية حين يقدم قصة عائلات فقدت بيوتها، فلجأت إلى الحديقة كملاذها الآمن. نشاهد اختصاراً مكثفاً للمجتمع السوري، ولا نعرف ما إذا كان المخرج سيبالغ في التراجيديا ويغرق شخصياته في النواح، أم أنه سيتمكن من السير على الحافة من دون أن يُفقد القصة بريقاً نالته منذ البداية. بالأسلوب ذاته، يقدم «عناية مشددة» (كتابة علي وجيه ويامن الحجلي وإخراج أحمد إبراهيم أحمد ــ nbn- «سوريا دراما»- «حواس») نماذج انتقائية من الشارع السوري، ويحاول البحث في خفايا الحرب بطريقة استقصائية وفضح عصابات وفساد ازدهرت على خلفية الحرب، لكنه يقع من حيث لا يدري في تلميع إحدى الجهات المتصارعة بطريقة تخالف الواقع، وخصوصاً عندما نرى السيارات المصطفة على حاجز الجيش السوري تبدي انزعاجها بسبب التأخير في التفتيش! بدوره، يقدم «في ظروف غامضة» لفادي قوشقجي والمثنى صبح («الجديد» - «سما») مدينة غير دمشق التي نعرفها منذ 5 سنوات. يبحر في كواليس قصة فتاة قضى أهلها في حادث، لكنّ الفلاش باك يربك مشاهد المسلسل وسط حالة ذهول لدى متابعة نسرين طافش (دارين) وهي تعتصم بكامل ماكياجها وحلتها الأنيقة من دون أن يؤثر حادث فقدانها لأهلها على أي شيء. وإذا انحرفنا قليلاً نحو الكوميديا، فسنكتشف سريعاً حجم الجهود التي يبذلها المخرج سيف الشيخ نجيب لانجاح الجزء 11 من «بقعة ضوء» («سما»- «الدنيا»)، لكنه يبدو محاصراً بنصوص مستهلكة وأفكار قدمت مراراً في الأجزاء السابقة. على طرف مواز، لا تحقق «دنيا» (كتابة أمل عرفة وسعيد حناوي وإخراج زهير قنوع ـ «أبو ظبي»- «الجديد») الأثر الذي حققته قبل عقد ونصف عقد على الأقل في حلقاتها التي عرضت حتى الآن. يفقد «الكركتر» ألقه على اعتبار أنه ليس جديداً. كذلك، تغيب القصص الطريفة التي كانت بطلة الجزء الأول، ويتراجع التصعيد في الحدث نحو أدوات الممثل التي تغلب عليها المبالغة. طبعاً، يبقى الحال أفضل من مسلسل «وعدتني يا رفيقي» (كتابة رازي وردة وإخراج نذر عوّاد ـ «الجديد»- «الدنيا»). هنا نحن أمام جرعة تهريج مفبركة شاهدناها مراراً في المواسم السابقة في أعمال مشابهة مثل «فتت لعبت» و«أيام الدراسة». أخيراً، تبدي الشاشة قرفها من تكرار القصص والكليشيهات في الدراما الشامية، وربما يجدر بنا مطالبة بسام الملا بتقديم مشروع مغاير للسلسلة الشهيرة «باب الحارة » (تأليف سليمان عبد العزيز وعثمان جحى، وإخراج عزّام فوق العادة وإشراف بسّام الملا ـ mbc-lbci) وخصوصاً أنّه صار مؤكداً إنجاز جزءين جديدين من العمل الذي كرّس بجدارة عادات التخلف والذكورية، وصدّر وجهاً مكفهرّاً عن أقدم مدينة في التاريخ. ولا نعرف من هم أطباء التجميل الذين كانوا يبالغون في إعادة رسم معالم النساء الشاميات في مطلع القرن الماضي، فعمليات التجميل هي النكهة الظاهرة على الدراما السورية هذا العام.