في معرضه «الساكن والمسكون» الذي تستضيفه غاليري «فريديريك موازان» في باريس، يستكمل أسعد عرابي (1941) توثيقه التشخيصي للبيوت الشامية والمصير الفجائعي الذي انتهت إليه هذه العمائر والأزقة والمزارات، هو الذي طالما حذّر في معارض وأبحاث جمالية سابقة من التمزقات البربرية التي طالت هذه العمارة، بسطوة قرارات مرتجلة لمخططات تنظيمية عشوائية، أطاحت جماليات الخشب والطين لمصلحة العسف الاستهلاكي والنفعي لمدينة غارقة في أسطورتها وطقوسها وفتنتها.


وإذا بالحرب تضيف لحناً جنائزياً أكثر عنفاً في تهجير «الساكن من المسكون» في إشارات تعبيرية إلى الدمار الذي تعيشه المدينة منذ سنوات.
أعماله الجديدة إذاً، هي حصيلة تصوّراته عن «القيامة الشامية» والحرائق التي خلفتها في النسيج المعماري والبشري، كبدائل لحميمية تلك العمائر المتشابكة على خلفية مرويات متراكمة تشكّل الفضاء المديني للمكان. تتأرجح أعمال المعرض بين الطربية اللونية المقتبسة من ذاكرة مشتعلة بالحنين لأمكنة خبرها هذا التشكيلي السوري بعجائن شامية شبقة، وعناصر وافدة فرضت نفسها بسطوة لحظة تدميرية. هكذا، يحط طائر الغراب وسط الحطام كعلامة شؤم صريحة، من دون إشراقات مؤجلة. الإيقاع الجنائزي التوليدي وحده من يرسم معالم الخراب.


حضور السطوح نفسها،
خصوصاً على صعيد اللون وحميمية الكتل والخطوط

ههنا غراب يوقّع مخالبه باطمئنان على المدينة/ الفريسة، بالتوازي مع الأجساد المشلوعة من جذورها والجدران المائلة، والسقوط الشاقولي للكتل البشرية، في ثنائيات الغراب والكفن، والحجر والبشر. وتالياً فإن تراجيديا المعنى هي بؤرة اشتغالات عرابي على تفكيك أسباب المحنة لجهة النزوح القسري عن خرائط الأمكنة المستقرة، وحطام المرايا التي تعكس تشظيات المشهد وشبحية أجساد على هيئة طلسات بلا ملامح، وأعين فزعة كترجيع لطبقات الهلاك.
يقول أسعد عرابي موضحاً مناخات أعماله الجديدة «تكشف لوحات اليوم «غربان» مقدمات «القيامة الشامية» التي تنذر بشؤم ما بعدها من مسالخ جماعية كابوسية. تذكر هذه الغربان بأننا لم نتنبه إلى المقدمات المبكرة لتباشير هذه القيامة! واليوم لا يمكننا استشراف مدى امتداد ثعبانها السرطاني. ذلك أننا لا نملك أيّ تصور عن هول ما بعد خاتمة تدمير الحواضر والخلق، والنزوح الأكبر في تاريخ البشرية، على الأقل في القرن الحادي والعشرين». في قراءة موازية، سنستحضر معنى النفي والغياب والتهجير والانتهاك، بما تخفيه الألوان الداكنة تحت الأنقاض، وسير المجهولين، كأن هذه المدوّنة التعبيرية تعمل على هتك ما هو مخفي ومستور، أو إعادة تدوين الكابوس بلون جناح الغراب، وفقاً لأصداء هذه المذبحة أو تلك، ورصد المسافة بين الحقبة الحلمية للأمكنة المهجورة وعمق الزحف الجحيمي الذي طالها بوحشية. المعرض الذي يضم نحو 30 عملاً (أكريليك وأحبار)، تتنازعه مرجعيات سوسيولوجية في تشريح المجزرة، أكثر من اعتنائه بالتزيين اللوني، نظراً إلى استغراق صاحبه في أسباب اللعنة السورية ومصائر بشر قطعوا حبل السرّة قسراً مع ذاكرة مكانية راسخة نحو متاهة المجهول واللايقين. وبشطحٍ آخر «مُسح اسم الساكن ومُحق مخطط المسكون، واختفت صكوك ملكيته»، موضحاً عمق الشجن المتراكم: «تحولت مذكرة دفتر أرقام الهواتف إلى ورقة نعي جماعية، وقائمة مأتمية تأبينية، لا أجرؤ على محو أرقام أصحابها المعدومين دون ذنب اقترفوه». كأننا إزاء طقس أضاحي، من دون توقّف، أو كما يحدث لحلزون بلا صدفة تحميه. عراء روحي ومسلخ جماعي وبرابرة لتدمير التاريخ وتفتيت خرائط الفردوس الشامي بنعيق غربان طويل. لوهلة، سنقع على السطوح نفسها التي اشتغل عليها عرابي سابقاً، خصوصاً على صعيد اللون وحميمية الكتل والخطوط، لكنه في «الساكن والمسكون» يقودنا إلى دهاليز سريّة، مضيئاً السحر الداخلي للمكان قبل تعرّضه للزوال، تحت وطأة العنف والفزع والتيه بسرد بصري محتدم. ستحلّق دراجة هوائية في نزهة أخيرة، تحت مرمى طائرة لتكتمل صورة الجحيم الدنيوي بضربات فرشاة ثخينة ونزقة، في رهان على بهجة الأزرق والأخضر الفاتح والبنفسجي، بقصد ترميم خواء المشهد وعدميته، بما لم يعد موجوداً فيه، أو على قيد العيش.

«الساكن والمسكون»: حتى 13 أيار (مايو) ــ غاليري «فريديريك موازان»، باريس ــ galerie-fmoisan.fr