تونس | ودّعت الجامعة التونسية أمس واحداً من ألمع مؤسسيها توفيق بكار الذي كان علامة فارقة في تاريخ الجامعة التونسية والثقافة في تونس بشكل عام. توفيق بكّار المعروف بأستاذ الأجيال، كان «أب» كل الأستاذة التونسيين الذين تخصّصوا في النقد الأدبي سواء في السرد أو الشعر.


فقد تميّز بأسلوبه الخاص في تدريس الأدب ومناهج النقد الحديث وتحليل النصوص، وكان مثل كل أبناء جيله من المؤسسين، يجيد اللغتين العربية والفرنسية بامتياز على حدّ السواء. وتوفيق بكار الذي دفن أمس في مقبرة الجلاز في قلب العاصمة التونسية من مواليد مدينة تونس سنة ١٩٢٧، درس في المعهد الصادقي ثم التحق بـ «جامعة السوربون» لدراسة مناهج النقد. وبالتوازي مع ذلك، درس في «كوليج دو فرانس» وتعرّف عن قرب إلى كبار الأدباء والكتّاب والنقّاد الفرنسيين، وخاصة رولان بارت الذي تخصّص في تدريسه. وعندما عاد من باريس، كان من الأساتذة الأوائل الذين وضعوا ركائز الجامعة التونسية مع زملائه صالح القرمادي، والمنجي الشملي، ومحمد اليعلاوي، ومحمد الطالبي وغيرهم.


تميّز بأسلوبه الخاص في تدريس الأدب ومناهج النقد الحديث


وكان بكّار من مؤسسي مجلة «التجديد» مع صالح القرمادي، ومنجي الشملي، وَعَبَد القادر المهيري. وكان هؤلاء المؤسسون شيوعيين ودستوريين، وهي تجربة طريفة بدأت في أواخر الخمسينيات، لكنها لم تعمّر طويلاً. إلا أنّ التجربة التي ارتبطت باسم توفيق بكّار، هي سلسلة «عيون معاصرة» التي تواصلت طيلة أربعين عاماً منذ 1977 إلى وفاته. وفي هذه السلسلة التي تصدرها «دار الجنوب»، قدّم بكّار للقراء التونسيين والعرب أجمل الأعمال الروائية والقصصية والشعرية لكبار الكتّاب العرب أمثال نزار قباني، ومحمود درويش، وعبدالوهاب البياتي، والطيب صالح، وحنة مينة، واميل حبيبي، ويوسف ادريس، وجمال الغيطاني، وصنع الله ابراهيم وغيرهم. كما قدّم مجموعة من الكتّاب التونسيين من مختلف الأجيال أمثال محمود المسعدي، والبشير خريف، والحبيب السالمي، ومحمد الباردي، ومحمود طرشونة، وعلي الدوعاجي، وعبدالجبار العش، وعروسية النالوتي، وآمنة الرميلي وغيرهم. ويحسب لتوفيق بكار افتتانه بالأدب التونسي وفرض تدريسه في أقسام الأدب العربي في كليات الآداب في البلاد.
ولعل اللافت في تجربة توفيق بكار الأكاديمية أنّه لم يكن يهتم بالألقاب الجامعية ولا بالترقيات العلمية. غادر الجامعة التونسية في رتبة أستاذ مساعد ورفض اقتراح بورقيبة بمنحه دكتوراه الدولة باعتباره من مؤسسي الجامعة. ورأى أنّ منحه هذه الدرجة العلمية من دون تقديم أطروحة، سيفقد الجامعة استقلاليتها ومصداقيتها العلمية.
ويحسب لتوفيق بكّار أيضاً فرضه مع زميله المرحوم صالح القرمادي المسألة الوطنية في الحزب الشيوعي التونسي الذي استقال منه بعد تخلّي الحزب عن مساندة التجربة الاشتراكية التي قادها أحمد بن صالح في أواخر الستينيات، وانتهت بمحاكمة بن صالح وسجنه قبل أن يهرب من السجن في فصل من تاريخ تونس الدرامية. ورغم انسحابه من الحزب الشيوعي، ظلّ توفيق بكار محافظاً على مساندته لكل المبادرات التقدمية وقضايا حرية التعبير وحقوق الإنسان.