إنه السيناريو عينه، يتكرر منذ عام 2011، تاريخ بدء الحراكات الشعبية، والخراب العربي لاحقاً. غيّبت قضية فلسطين في الإعلام العربي وتحديداً الخليجي. وإذا حضرت، يكون هذا الحضور، للمزايدة، والاستثمار، أو ضمن مساحات ترفيهية. في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، شنّت القوات الصهيونية عدواناً على قطاع غزة.


وقتها، بان جلياً بأن أولويات هذا الإعلام تغيرت، مقارنة بما كانت عليه سابقاً، لا سيما خلال عدوان غزة عام 2008. ومع دخول إضراب الأسرى عن الطعام في السجون الصهيونية يومه السابع عشر، لم تهتز القنوات الخليجية، إلا ما ندر، في دعم ومواكبة هذه الانتفاضة التي يقودها الأسير مروان البرغوثي.
فلسطين وحدها! هكذا بدا الأمر خلال الأيام السابقة، من هذا الإضراب، الذي شغل مواقع التواصل الاجتماعي بقوة، وتحوّل إلى سباق بالفيديوات لشرب المياه والملح، وإيصال رسالة تضامن عبر العالم إلى هؤلاء الأسرى. في المقابل، تصدرت أخبار الأزمة السورية القنوات الخليجية، وانشغلت «الجزيرة» بمتابعة معركة الموصل في العراق، وبثت أول من أمس، تقريراً يتيماً (إعداد جيفارا البديري) من رام الله، واكب تضامن الكنائس مع الأسرى، وإضراب عوائلها يوماً واحداً عن الطعام.
أما «العربية» فقد اهتمت بـ «قصف القوات السعودية لمواقع الحوثيين» في اليمن، وبمرور مئة يوم على تسلّم دونالد ترامب سدة الرئاسة الأميركية وبالانتخابات الرئاسية الإيرانية و«فساد» مرشحيها. حضرت معركة الأمعاء الخاوية على الشبكة السعودية، من خلال برنامج «تفاعلكم» المتخصص في رصد مواقع التواصل. وأمس، سألت مقدمة البرنامج سارة دندراوي في مساحة استفتائية عن جدوى هذا الإضراب كوسيلة ضغط على «إسرائيل» وعن توافر وسائل أخرى أفضل. وسألت قسّام نجل مروان البرغوثي، مطلق حملة «مي وملح»، عن جدوى الفيديوات المنشورة على السوشال ميديا وتحوّلها إلى مجرد استعراض. هذا الحضور لقضية الأسرى الفلسطينيين في مساحات ترفيهية، ظهرت أيضاً على القناة القطرية، ضمن برنامج «سباق الأخبار»، الذي يتكئ على تصويت الجمهور لثلاث شخصيات وأحداث طبعت الأسبوع، فرأينا قضية الأسرى تجاور قضية المرشح الرئاسي الفرنسي إيمانويل ماكرون، والناشطة المصرية آية حجازي، والروائي السعودي محمد علوان (جائزة بوكر)، وربحت قضية الأسرى التصويت في نهاية المطاف!
إذاً، غاب الثقل المتوجب وضعه في الإعلام العربي، لا سيما الخليجي، لدعم ومواكبة قضية بحجم انتفاضة الأسرى في السجون الصهيونية، لصالح أجندات ومعارك مختلفة أهمها الاقتتال العربي- العربي. حُجّمت فلسطين، وأفردت لقضيتها مساحات سطحية، تبتعد عن جوهر الصراع مع المحتل، وتشريح مطالب وعذابات هؤلاء الأسرى. وبقيت «الميادين»، منذ اليوم الأول متابعةً وداعمةً بكل وسائلها لانتفاضة الأسرى. تصدّر هاشتاغ «#الميادين_مع_الأسرى» يسار الشاشة، إلى جانب هاشتاغات «#معركة_الكرامة»، و«#مي_وملح» التي احتلت وسائل التواصل الاجتماعي. منذ 17 يوماً، تفرد قناة «الواقع كما هو» تغطية خاصة لهذه المعركة في الاستديو أو عبر مراسليها في المدن الفلسطينية، وتسلط الضوء على معاناة هؤلاء، وتطلع الرأي العام على أعدادهم وتفاصيل أسرهم، وأيضاً على زوايا لا يعرفها كثر كالأسرى في القدس، الذي يعاملون «كأسرى إسرائيليين». كذلك، أضاءت فقرة «ماذا ولماذا؟» الإلكترونية على أبرز الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى في السجون الصهيونية، وعلى أبرز حقوقهم. كذلك، لم تبخل «الميادين» بالإنتاج الفني لدعم هذه الانتفاضة. فقد بثت أخيراً، كليباً بصوت رئيس مجلس إدارتها غسان بن جدو، بعنوان: «السلام حرية وكرامة... ودون ذلك فمقاومة».