هي فيرا بشارة سمعان (1938 ـــ 1988) التي صارت فريال كريم بلمسة سحر لا تعوزه الطرافة، وهي ابنة البيت المسيحي التي تزوجت خطيفة من رجل مسلم، فتحولت أيقونة الفن المتخلي عن كثير من سمات الرصانة المفتعلة، وهي أيضاً المونولوجيست المتفردة التي كسرت الكثير من القواعد، وغيرت العديد من المفاهيم المهيمنة، وأجبرت المتابعين والنقاد على التنكر لكثير مما صنفوه في خانة البديهي والمنطقي.


يوم قررت فريال كريم أن تخترق جدار الفن، لم تذهب نحو النتاجات الأكاديمية لتكون تلميذة متفوقة بما يضمن لها النجاح في الامتحان المفترض. فضلت التوغل عميقاً في تفاصيل طفولتها المدللة، استعادت شغباً متأصلاً في سلوكها، وأطلقت العنان لسيل من المفاجآت ينبع من روحها المتآلفة مع المرح، فتخطت في الحصيلة ما كان يمكن للإبداع المقولب والممنهج أن يتيحه لها، وأرست، اعتماداً على تلك المقومات البسيطة، والنادرة أيضاً، مسيرة فنية فائقة الثراء بالرغم من أن الزمن كان شحيحاً.
بخفة دم مشهودة، تسللت الطفلة، التي ظلت كذلك حتى آخر لحظات حياتها، إلى عالم النجومية المستحقة، سارت واثقة على أطراف روحها العابقة بالدهشة، ثم انطلقت سريعاً نحو ارتجال الحضور فلم يشعر المسرح الضاحك إلا وفريال كريم جزءاً أساسياً من مكوناته، حتى كاد غيابها عنه أن يعني ثغرة فادحة في جداره.


كانت عباراتها المرتجلة
تتحول سريعاً إلى جزء
حيوي من السيناريو

راهن والد فريال كريم على ابنته الكبرى إيزابيل التي رأى فيها موهبة غنائية. ذهب إلى القاهرة بنصيحة من الفنانة الراحلة نور الهدى ابنة خالة فريال كريم، وأخذ معه الصغيرة فيرا، كانت في السابعة من عمرها. هناك قدمت وصلة مونولوج لثريا حلمي (إحنا هنا يا إكسيلانس)، فأعجب بها الجمهور طالباً إعادة الوصلة. لم تلبث أن وجدت نفسها على أكتاف الناس، لتحظى بلقب «معجزة المسرح». بين الحضور، كان المخرج إبراهيم عواضة الذي شجع والد فريال كريم على الاهتمام بموهبة ابنته. من مصر أيضاً، كانت الفرصة متاحة للطفلة فيرا حيث ظهرت في فيلم «سكة السلامة» (1948) للمخرج إبراهيم لاما.
لاحقاً، عملت فيرا في مسرح بديعة مصابني، كانت لها محطة فنية في سوريا حيث التقت المخرج محمد كريم وصار زوجها. عاشت سبع سنوات في دمشق، حيث قدمت إلى جانب الغناء، والمونولوج، أعمالاً مسرحية لافتة منها: «مرتي قمر اصطناعي»، و«بيت للإيجار»، و«طاسة الرعبة»، و«طبيب رغماً عنه».
بعد عودتها إلى لبنان، تعرفت إلى الفنان محمد شامل، جمعتهما أختها ايزابيل التي كانت تعمل في الإذاعة اللبنانية، وقد أثمر اللقاء عن تعاون فني ثري تمثل في العمل الإذاعي «يا مدير»، ثم انتقل إلى التلفزيون مع: «ابراهيم أفندي»، و«حكمت المحكمة»، و«أم خبار»، و«أنا وحماتي»، و«صبر أيوب»، و«بيروت الليل» و«الدنيا هيك». كذلك، شاركت الفنان صلاح تيزاني (أبو سليم) معظم أعماله التلفزيونية بينها: «اللص الظريف»، و«الأبواب السبعة»، و«المليونير»، و«البوسطة»، و«سيّارة الجمعيّة»، و«انسى همومك» و«مسرح الفكاهة».، ولم تتردد في الوقوف أمام عملاق المسرح حسن علاء الدين (شوشو) في مسرحياته لثلاث سنوات، حيث شكلا معاً ثنائياً كوميدياً استثنائياً.
لم تكن فريال كريم تحرص على الالتزام بالنص المكتوب. كان ارتجالها المتسم بعفوية بالغة يوقع زملاءها في إرباك غير متوقع، لكن ذكاءها الفطري كان ينقذ الموقف، وكانت عباراتها المرتجلة تتحول سريعاً إلى جزء حيوي من السيناريو.
قدمت فريال كريم العديد من الأغاني الخفيفة التي لاقت رواجاً نادراً مثل: «جارنا الشاويش»، و«من غير هواك»، و«عم بيزعلني للو»، و«برات البيت عاملي عنتر».
كما شاركت في عدد من الأعمال السينمائية منها فيلم «عتاب» مع المطربة سميرة توفيق، و«فندق الأحلام» مع الفنان دريد لحام، و«كرم الهوى» مع الكبيرة صباح. لم يمنعها وقوفها أمام النجوم الكبار من الاحتفاظ بألقها كاملاً. أمكنها دوماً أن تبقى تلك الإضافة النوعية التي ترفع من سوية أي عمل فني تشارك به بالرغم من الأسماء المكرسة التي كانت تُصنع الأعمال الفنية وفقاً لمقاسها.
بعد مسيرة فنية زاخرة، أسلمت فريال كريم روحها المرحة على خشبة المسرح، محولة بذلك إحدى المقولات الشائعة: «شي بيموت من الضحك» إلى حقيقة. لقد ماتت الطفلة المشاكسة من الضحك، لكن عشاق فنها بكوا عليها ربما أكثر مما ضحكوا معها، بعدما تركت بصمة راسخة في عالم الكوميديا رحلت فريال التي لم تشبه أحداً، ولم يشبهها، حتى اليوم، أحد.

* «متروفون يقدّم فريال كريم»: س:21:30 مساء اليوم و16 و23 أيار (مايو) ــ «مترو المدينة» ـ للاستعلام: 76/309363