إنه الاعتداء الخامس في غضون ستة أشهر على «الجديد». فجر أمس، استفاق موظفو القناة على خبر احتراق سيارة البث المباشر. ولولا العناية الإلهية لكنا شهدنا كارثة أكبر بوصول النيران إلى طبقات المبنى. هذا الاعتداء يأتي بعدما قطع أصحاب الكابلات بثّ قناة «الجديد»، في منطقة الضاحية الجنوبية، وبعض النقاط التي تخضع لسلطة «حركة أمل».


جاء ذلك على خلفية تقرير بث يوم الجمعة الفائت (إعداد آدم شمس الدين)، يكشف عن إعفاء «بنك التمويل» لحركة «أمل»، من التقيّد بسقف المبالغ المستثناة من عملية الإيداع النقدية، وقد وصل المبلغ إلى تسعة ملايين دولار.
إذاً تعرّضت القناة فجر أمس، لاعتداء سافر، تمثل في تسلل شابين على دراجة نارية ــ عند الساعة الثالثة إلا ربع فجراً ــ إلى الجهة الخلفية من المبنى، ودخولهما منزلاً ملاصقاً للمبنى وقذفهما من الأعلى مادة سريعة الاشتعال على سيارة النقل المباشر، مما أدى الى احتراقها بالكامل. ولولا تحرك حرس القناة لإخماد النيران، وإزاحة السيارات المجاورة بسرعة قياسية، لكنّا أمام كارثة حقيقية. لعلّ الطامة الكبرى ــ وهو ما ردّده المسؤولون داخل «الجديد»، على رأسهم نائبة رئيس مجلس الإدارة كرمى الخياط أمام وزير الإعلام ملحم رياشي ــ أنّ الذي حصل «ليس مصادفة»، بل إنّ هدفه كان الإتيان على «المبنى كله». هذا ما كان سيحدث بالفعل لولا الإخماد السريع للنيران بسبب تواجد سيارة النقل المباشر، إلى جانب خزانات المازوت ومولدات الكهرباء. فلو امتدت النار إلى هذه النقطة، بالتأكيد كنا أمام كارثة بشرية ومادية كبرى.
هذا الاعتداء الذي لم يعرف بعد من يقف وراءه، أكانت جهة منظمة، أو مجرد أفراد، له حتماً صلة بما حصل في الأيام الأخيرة ـــ وتحديداً بعيد بث التقرير المذكور ــ من حملات تحريض وشحن مستمرة على القناة، كان مسرحها موقع تويتر. إذ انتشرت هاشتاغات عدة تتناول القناة ورئيسها، وتدافع عن رئيس مجلس النواب نبيه بري. لا شك في أنّ هذه الحملات المستمرة بزخم واسع، وتلقى تفاعلاً عالياً على الشبكة العنكبوتية، إضافة الى قطع بث القناة كلياً عن مناطق معينة، أسهمت في خلق هذه الأجواء المشحونة، كما حصل في الاعتداء السابق حين تجمهر أفراد أمام المبنى وراحوا يكيلون الشتائم، من دون أن يعلم قسم كبير منهم السبب الذي يحتجون لأجله غير التعصب والتحزّب (الأخبار 6/2/2017).


اتهام الأجهزة القضائية بالتقاعس عن ملاحقة المعتدين


القناة خصصت نشرة أخبارها الصباحية أمس، لشرح وعرض الصور والفيديوات التي تظهر كيفية حصول هذا الاعتداء. شرح تولاه المدير الإداري والعلاقات العامة في المحطة إبراهيم الحلبي، الذي تابع منذ الدقائق الأولى للحريق مجريات ما حدث. وخُصص جزء من برنامج «الحدث» الصباحي لحشد حملات التضامن، بعدما كانت مخصصة للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين في إضرابهم المفتوح عن الطعام، وفي «انتفاضة الكرامة» التي ينفذونها منذ أقل من شهر داخل السجون الفلسطينية. وأكدت الإعلامية سمر أبو خليل هنا أنّ قضية القناة ستبقى أولاً وأخيراً فلسطين. إنه الاعتداء الخامس على «الجديد»، خلال ستة أشهر. هذا ما صرّحت به محامية القناة مايا حبلي، التي بدت في حالة استياء عارمة، بسبب تقاعس الأجهزة القضائية عن ملاحقة المعتدين، «رغم معرفة هويتهم». الأمر نفسه كررته الخياط حين تحدثت عن «طمس» الملف القضائي في كل مرة رغم معرفة الجهة التابعين لها. ومع وصول حجم الخسارة المادية نتيجة الاعتداء إلى أكثر من 100 ألف دولار، وتأكيد الخياط على أنّ القناة مستمرة في رسالتها «تحت سقف الدولة»، مهما تكررت الاعتداءات، ردّ مكتب رئيس مجلس النواب على ما صرّحت به، بما وصفه «أكاذيب كرمى الخياط»، داعياً القضاء إلى التحرك بشأن هذه الاتهامات. في المرة السابقة، دقينا ناقوس الخطر، بما يتعلّق بحرية الإعلام، وضرورة حماية العاملين/ ات داخل المؤسسات الإعلامية، الذين بدوا أيضاً وحيدين، من دون أي غطاء رسمي وأمني. اليوم، يتصاعد الخوف وتزداد الحاجة أكثر الى إعلاء الصوت، بشأن ما يحدث، وما يمكنه أن يسبّب كوارث حقيقية، وضرورة وقف الشحن الإعلامي والشعبي، وحماية الإعلام وصون حقه في النقد وفتح الملفات، وكشف الحقائق. لكن مع غياب محاسبة المعتدين، وترك الساحة مفتوحة أمام تشريع أي عنف بحق مؤسسة إعلامية، وإلحاق الضرر المادي والمعنوي بها، وسهولة تنفيذ ذلك، وجب فعلاً كما قال وزير الإعلام الذي بدا مذهولاً أمام آثار هذا الحريق، عدم الاكتفاء بوابل الاستنكارات، بل التحرك الفعلي على الأرض، لما اعتبره «اعتداءً مباشراً على الحرية، وعلى أمن الناس».