mya guarnieri jaradat, the unchosen: the lives of israel›s new others. pluto press, london 2017. 276 pp.

كيان العدو عنصري، هذه حقيقة ليست في حاجة إلى إثبات. لكن من يبحث عن براهين، سيعثر عليها في أحداث يومية تقع فيه، ومنها ما يرد في كتاب «الآخرون غير المختارين: حيوات الغويم في إسرائيل» للصحافية الأميركية مْيا جرادات.
المسألة هنا ليست كيفية معاملته الفلسطينيين، أهل البلاد وأصحابها، فالعنصرية في هذا المجال أمر بديهي، بل شرط أساس من شروط تأسيس ذلك الكيان. الحديث في هذا المؤلف، يخص طالبي اللجوء من الأفارقة والعمالة الجنوب-الآسيوية، الذين تمكنوا من التسلل إلى فلسطين المحتلة عبر صحراء سيناء، قبل بناء العدو السور على حدود فلسطين المحتلة مع مصر.
بناء الأسوار على الحدود أحد تجليات العنصرية. عندما وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ببناء سور على حدود بلاده مع المكسيك، انتفضت القوى الليبرالية الغربية ووصفته بأنه تصرف عنصري.

لكن بناء العدو ما يسمى مجازاً «جدار الفصل العنصري» وسور النقب/ سيناء، أمر مسموح به ولا يتم الحديث عنه في المجتمعات السياسية الغربية، الليبرالية ونصف الليبرالية. هذا ما تؤكده الكاتبة. هي تؤكد أن هدف العدو من بناء «جدار الفصل العنصري» هو منع العمالة الفلسطينية الرخيصة الباحثة عن أي عمل من أجل العيش، من التسلل إلى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948. الهدف لم يكن أمنياً إطلاقاً، بل عنصرياً.
عنصرية كيان العدو تتجلى أيضاً من خلال كيفية التعامل مع المهاجرين غير الشرعيين من الإفريقيين على نحو محدد، مع أن كيان العدو كان من الموقعين عام 1951 على وثيقة الأمم المتحدة بخصوص حقوق اللاجئين، وعرّفت اللاجئ وواجبات الدول الموقعة على تقديم اللجوء إليه.
تلاحظ الكاتبة أنّ كيان العدو اتبع بعد «الانتفاضة الثانية» سياسة الاستغناء عن الأيدي العاملة الفلسطينية واستعان بخبرات مشيخات الخليج الفارسي باستحضار عمالة من الخارج لاستخدامهم كأيدي عاملة رخيصة للعمل في البناء والخدمة وتنظيف مدارج البنايات، وفرض قيود صارمة على الكفيل والعمالة. ومن ضمن ذلك طرد كل امرأة تحمل أثناء وجودها في الكيان.


يافا التي دثر العدو قسمها الأكبر، تعرف بالمدينة السوداء


عشرات الآلاف من المهاجرين الأفارقة يطردون سنوياً، يرسلون إلى أوغندا وغيرها، ليموتوا لاحقاً على يد التنظيمات التكفيرية في منطقة الساحل عند محاولاتهم الوصول إلى شمالي إفريقيا للهجرة عبر البحر المتوسط، أو يغرقون فيه.
المدينة الفلسطينية يافا، التي عمل العدو على دثر القسم الأكبر منها وإلحاقه بتل أبيب، تعرف بالمدينة السوداء، وهو تعريف عنصري المظهر والجوهر حيث يتجمع الآلاف من المزراحيم والمهاجرين غير الشرعيين من الأفارقة والجنوب- آسيويين هناك.
تستعرض الكاتبة مختلف تجليات عنصرية العدو عبر عرض حالات أشخاص من مختلف الجنسيات، من السودان وإريتريا والفيليبين وتايلندا وغيرها، كل على حدة، عبر فصول منفصلة أثرتها بمجموعة من المصورات. يطلع القارئ على الممارسات العنصرية الرسمية لكيان العدو. كما تفضح ما يسمى باليسار «الإسرائيلي» الذي يختفي كلما اندلع صراع بين أولئك «السود» والسلطة الإشكنازية.
توضح الكاتبة أن معاملة كيان العدو للمهاجرين غير الشرعيين تماثل معاملتها للفلسطينيين، مما ينفي أساس ادعائه الدائم بأنّ السبب أمني. آخر مثال هو قيام قوات العدو بإطلاق النار على مهاجر إرتيري. قضى الأخير عن بعد على يد الغوغاء التي قتلته أمام عدسات التلفزيون. لم تحتجّ أي من دول الغرب الاستعماري ومعظم وسائل تضليلها على هذه
الجريمة.
تأخذ الكاتبة القارئ عبر عرضها في رحلة على مختلف تجليات العنصرية الإشكنازية تجاه الآخر، غير المختار، في الوقت الذي تفتح فيه أبواب الهجرة أمام «اليهود» الذي كانوا يملكون حق الهجرة فقط بسبب دينهم. لكن الحق بالولادة انتهى، إذ ينبغي لـ «اليهودي» الحصول على إذن وزير داخلية العدو للإقامة في فلسطين المحتلة. والمتحول إلى «اليهودية» لا تعترف به حكومة كيان العدو، إلا إذا تم بإشرافها ووفق قوانينها التي يصيغها الأرثوذكس على غير المتدينين وهم الأغلبية!
حصول اللاجئ على «التبعية الإسرائيلية» أمر مستحيل، علماً بأنه ليس ثمة من تبعية للدولة. فوفق قوانين التبعية في ذلك الكيان، ثمة يهود ومسلمين ودروز ومسيحيين.
خلاصة الحقيقة في المؤلف أنه على المرء أن يصاب بالدهشة إذا عثر في قوانين العدو العنصري على أمر غير عنصري. كيان قام على العدوان وعلى تمييز الإشكناز من المزراحيم والعرب الفلسطينيين، وعلى تمييز الإشكناز من بقية البشر، لا يمكن أن يكون إلا ما هو عليه: كيان عدواني عنصري الجوهر والتجلي.