لندن | رواية نيل غايمان الملحميّة عن رؤيته للولايات المتحدة، تلك البلاد الأشبه بفانتازيا غريبة عجيبة، تنتقل إلى الشاشة في إنتاج بصري مذهل، لتحكي قصة سقوط الآلهة القديمة التي جلبها المهاجرون معهم في حقائبهم، لمصلحة صعود آلهة أميركية جديدة كالعولمة، والميديا، والتكنولوجيا، والإنترنت، والأسواق الماليّة، والمخدرات، والمشاهير، في صراع جبابرة يدفع ثمنه البشر البائسون.


إذا حكمنا على إقتباس برايان فوللر ومايكل غرين لرواية غايمان American Gods (آلهة أميركيون) من الحلقة الأولى التي بثت في 30 نيسان (أبريل) الماضي على «أمازون فيديو»، فإننا لا شك مقبلون على عمل فنّي ساطع سيجعل من«لعبة العروش» مجرّد ذكرى جميلة. من النص الروائي الأصلي المتسم بالعبقريّة، إلى التكوينات البصريّة الخارقة والتصوير الشديد الشاعريّة لمعالم أميركية حقيقيّة بألوان، كأنّها الكآبة التي تسكن قلب المكان، مروراً بأداء ممثلين يليق بأدوارهم كآلهة، وإنتهاءً بمشاهد العنف والجنس المجنون. جورج آر. آر. مارتين (مؤلف «لعبة العروش») حتماً سيموت غيظاً!
يبدأ الموسم الأوّل المكوّن من ثماني حلقات بمقدّمة يحكي لنا الرّاوي فيها قصّة في عام 813، عندما وصلت سفينة فايكينغ إلى شواطىء أميركا الشماليّة بعد عناء شديد. لكنَ رجالها يعلقون لدى نزولهم إلى اليابسة بين مقاومة شديدة من السكان المحليين، ورياح لا تهب كي يمكنهم أن يعودوا أدراجهم. يقدمون عندئذ على إيقاع الألم بأنفسهم تضحية لإلههم ــ رب كل الآباء ــ لكن الإله لا يعبأ بهم. ولأنّ إلههم هذا رب حروب ودماء، يضطرون لتنظيم معركة دموية بينهم لعلّ الرب يلتفت إليهم. وفعلاً، بعدما فني معظمهم في القتال، إمتلأت الأشرعة بالرياح، وصار ممكناً العودة إلى الوطن. تنتهي هذه المقدّمة هنا، ولن يكون لها امتداد في العمل لاحقاً، لكنها قالت لنا في دقائق قليلة كل شيء تقريباً: الآلهة والمخلوقات الأسطوريّة تنتقل إلى حيّز الوجود فقط عندما نؤمن بها. وتلك مأساة البشريّة، إذ أن الإيمان ليس مجانيّاً.


انتقال سلس من لوحة سورياليّة مذهلة إلى أخرى، لتجد نفسك فجأة في نهاية الحلقة


فهو يتطلب تضحيات قد تودي بصاحبها إلى الموت أو القتل. الأميركيون الأصليون كان عندهم آلهتهم من دون شك، والمهاجرون الذين قدموا إلى أميركا جلبوا معهم آلهتهم. الخط الناظم للرواية ــ والمسلسل ــ وأبدعت في قوله المقدّمة هو أنّك لن تنجو وتكون أميركياً قط، إلا إذا تخلّيت عن آلهتك القديمة وقبلت حكم آلهة المكان الجديد. وبلغة الواقع أن تتكلم الإنكليزية، وتلبس تي ــ شيرت، وتتسمّى بإسم غربي، وتشاهد كرة القدم الأميركية، وتقضي حياتك في عبادة التكنولوجيا والميديا الحديثة والعقاقير والشهرة الفارغة، وتتناول الهامبرغر، وتقف وتضع يديك على قلبك عند عزف النشيد الوطني الأميركي.
American Gods، عمل ينفذ إلى قلب مسألة تكوين الكيان الهجين المسمى الولايات المتحدة. نيل غايمان نفسه مهاجر إنكليزي انتقل للعيش والكتابة في الولايات المتحدة، فوجدها بلاداً عجيبة غريبة تجمع تاريخ سكانها الذين ينحدرون في غالبيتهم الساحقة من مهاجرين، وتعيد تركيبهم في نسق جديد لا يقبل من قديمهم سوى عناصر فولكلور تافهة، وتخلق لهم مستقبلاً لا يشبههم. لكنهم لا يملكون العودة إلى أوطان أجدادهم بعدما أغوتهم الآلهة الجديدة البرّاقة، فإتبعوها صاغرين.
يرفض غايمان الرواية الرسميّة الأميركيّة عن تاريخ المجتمع الأميركي، والتي تجعل المهاجرين الأوائل أوروبيين مؤمنين جاءوا لتحقيق تطلعات دينيّة، أم مهاجرين حالمين بالحريّة والنجاح الإقتصادي المحرومين منه في أوطانهم الأصليّة، من دون أن تحكي عن عذابات سكان البلاد الأصليين أو آلام ملايين العبيد، ولا الحروب الأهليّة والإستعماريّة المتكررة. وهو قال في إحدى المناسبات إنّه صُدم عندما سمع تلك الرواية المجتزأة عن تاريخ أميركا من إبنه الذي تلقاها عن معلمة التاريخ في المدرسة الإبتدائيّة، فعزم على كتابة American Gods ليقدّم صورة أميركا الحقيقيّة، وإن من خلال نص عابق بالفانتازيا والخيال.
رواية «آلهة أميركيون» ظهرت طبعتها الأولى في عام 2001، وحققت نجاحاً تجاريّاً كبيراً، وأعيد طبعها عشر مرات ــ الأخيرة منها تضمنت نصاً مطوّلاً بـ 12 ألف كلمة إضافيّة عن ذلك الذي نشر للمرة الأولى ــ كما ترجمت إلى لغات عدّة، ما جعلها مرشحة دائمة للتحوّل إلى عمل تلفزيوني. لكن محاولة HBO الأميركيّة لإعداد النص للتصوير فشلت رغم الجهود المتكرّرة من كتاب سيناريو إستعانت بهم الشركة، فاعتذرت لغايمان معلّلة ذلك بأن الرواية على تفرّدها، إلا أنّها «نص مستحيل لا يمكن إقتباسه للشاشة». وبعد سنوات، تقدّمت قناة الكابل الأميركيّة «ستارز» بعرض لشراء حقوق العمل، مكلّفة فوللر وغرين ــ الذين عملا معاً قبل ذلك على مسلسل Heroes ــ بالمهمة الصعبة.
بطل الرواية يدعى Shadow Moon (قمر الظلّ ــ يؤديه ريكي ويتيل)، وهو ليس إلهاً ــ على كثرة الآلهة ومن يقوم مقامهم في هذه الملحمة الأسطوريّة ــ بل بشري قست عليه الأيام، فسجن لثلاث سنوات قضى معظم وقته فيها بالقراءة ليكون إنساناً أفضل يليق بزوجته الحسناء التي كان يتطلع للقياها من جديد. وقبل نفاد فترة محكوميته بأيام، يستدعيه مدير السجن ليعلمه بإطلاق سراحه مبكراً كي يمكنه اللحاق بجنازة زوجته التي قتلت في حادث سير بينما كانت تضاجع أعز اصدقائه. في رحلة العودة، وقمرنا الأسمر هذا لم يتبق له شيء ليعود إليه، يلتقي على متن الطائرة برجل غريب يُدعى «وينزداي» (الأربعاء بالإنكليزية ــ يؤديه إيان ماكشين) الذي يبدو أشبه بمدعٍ كبير، وإن كان في «الحقيقة» تمثلاً لـ «أودن»، كبير الآلهة ورب المعرفة والحكمة عند الفايكينغ الإسكندنافيين القدماء. وينتهي «قمر الظّل» مرافقاً لـ «وينزداي» في رحلته عبر أميركا، التي يحاول من خلالها تجميع جهود كل الآلهة القديمة من أساطير مختلف المهاجرين إلى بلاد «الحريّة»، لخوض مواجهة نهائية مع آلهة أميركا الجديدة التي سحرت عقول الناس وصرفتهم عن عبادة آلهة الآباء والأجداد. فلماذا تصلّي لـ «أودن» أو «أنوبيس» إذا كان جلّ ما تريد الحصول عليه هو ذلك الـ «آيفون» الجديد؟
يصوّر المسلسل الآلهة القديمة كأنها مغبّرة وصدئة، عفى عليها الزمن، وتستجدي إيمان البشر بها لتستعيد شيئاً من الرونق، بينما تظهر شخصيّات الآلهة الجديدة مصقولة ولامعة ومعاصرة ومليئة بالحيويّة وتستدعي الإتّباع.
لا يوجد ما هو تقليدي في مشاهد العمل. أنت تنتقل من لوحة سورياليّة مذهلة إلى أخرى بسلاسة غيرعاديّة، لتجد نفسك فجأة في نهاية الحلقة. لكن مشهد الجنس الإلهي بالذات، تسبب في صدمة للمراقبين. فـ «بلقيس» ملكة سبأ (يقدّمها المسلسل كإلهة للخصب)، إنصرف الناس عنها فإضطرت للعمل كبائعة هوى تصطاد الزبائن على الإنترنت لتستجدي إيمان الرّجال بها. تقوم بمضاجعة رجل هامشي، تطلب إليه في قلب المشهد الغرامي أن يعبدها، وعندما يؤمن، يحدث الأمر العجيب وينزلق الرجل بكامله داخلها. المشهد على جنونه بالطبع، ليس مقحماً على النص، بل يطرح معاني عميقة عن معنى الإيمان، وفكرة الحبّ والسعي للتوحّد مع الآخر من خلال الجنس، وإن كان قدّم في إطار مشهد عري كامل.
المسلسل ــ وفق فوللر وغرين ــ هو خليط من الأمانة المخلصة للعمل الروائي والخيانة السافرة له. فكثير من المشاهد هي بمثابة ترجمة حرفيّة للنص، لكن بعضها الآخر من تصوّراتهما الشخصيّة، وإستعارات من أعمال أخرى لغايمان نفسه. كما أن أدوار بعض الشخصيّات تم توسيعها فيما تغيرت البرمجة الزمنيّة لبعضها الآخر. لكن الرجلين أكدا أن العمل كان دائماً بالتنسيق مع غايمان، وهو بدا سعيداً بالمنتج النهائي الذي أخرجه ديفيد سليد (مخرج «هانيبال»، و«إكليبس»).
يغطي الموسم الأوّل حوالي ثلث الرواية الضخمة، وهناك توجه ــ في حال نجاحه ــ إلى إنتاج موسم ثان وربما ثالث. ويبدو أن إنتاج الموسم الأوّل قد بعث موجة من الحماس في قلب غايمان الذي قال للصحافة إنه سيشرع في كتابة جزء جديد للرواية، سيكون بمثابة «آلهة أميركيون ــ 2».
«آلهة أميركيون»، أفضل ما يمكن قراءته من النصوص لفهم معنى أن يكون المرء أميركياً اليوم. إنها وإن إنتمت إلى تلك الميثولوجيات القديمة عن الآلهة والمخلوقات الأسطوريَة، لكنها تقول الحقيقة تامة، في زمن (ما بعد) الحقيقة المليء بالزيف والخداع والزعماء المنتفخين.