لا تبدو السنون قد أخذت الكثير من الشاعر المعروف زين العابدين فؤاد (1942). ربما شابَ الشعر، لكن القلب «شباب» كما يقولون. زيارته الأخيرة إلى لبنان، كانت كثيرة ومتعددة المعاني والمعالم، إذ زار بلدة الدوير الجنوبية حيث ألقى الشعر، واعتصم، وأشعل الشموع لأجل الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، إلى جانب لقاءلت وأمسيات في بلدان جنوبية أخرى. في جلسةٍ واحدةٍ مع «عم زين»، يمكنك قراءة الكثير. ربما هو واحد من أوائل المثقفين المشتبكين الذين تحدّث عنهم الشهيد باسل الأعرج. هو لم يقاوم بالكلمة فحسب، بل دفع الثمن مراراً وتكراراً من حريته وجسده. شاعر العامية المصري لم يكتفِ بذلك، بل تحمّل ظلماً أشد وطأة، حين أتاه ــ وهو في الاعتقال ـــ خبر وفاة زوجته الأولى القاصة الفلسطينية (من نابلس تحديداً) باسمة حلاوة من الولايات المتحدة حيث كانت تخضع لعملية في القلب. أضف إلى هذا أنّ ديوانه الأوّل «وش مصر» احتاج إلى أكثر من سبع سنوات كي تسمح الرقابة بنشره عام 1972.

الشعراء المشتبكون ربما هو التعبير الذي ينطبق على عم زين. تأتي طينته من تلك التي ميّزت شعراء كباراً أرادوا أن يقرنوا كلماتهم بأعمالهم: «الشعراء أعدموا في الميادين العامة في الحرب العالمية الثانية. شعراء من رومانيا وهنغاريا وإسبانيا. لوركا الذي كتب في قصيدته «البيان» ـ وأنا ترجمتها ـ: «أنا كتبت أغنية، سيموت مغنيها مغنياً». وحين ألقوا القبض عليه وساقوه للإعدام، قالوا له: هل ستغني ونحن نقتلك؟ فغنّى. ماذا يعني أن يكتب ناظم حكمت أجمل دواوينه في المعتقل خلال أكثر من 20 عاماً؟ هل يمكن نسيان السنوات الطوال التي بقي فيها فؤاد حداد في المعتقل؟» يقول لنا زين العابدين فؤاد في لقاء جمعنا في أحد مقاهي الحمرا خلال زيارته البيروتية. ويضيف: «لدينا أيضاً دور لوي أراغون ونظراؤه الذي لعبوه في الحرب العالمية ضد النازي. وهناك أيضاً الموسيقيون، فما الذي يجعل (ميكيس) ثيودوراكيس اليوناني يلحّن موسيقى «زوربا» الرائعة وهو حبيس سجنه حين هرِّب له سيناريو الفيلم والقصة؟ هناك أيضاً المغني والموسيقي التشيلي فيكتور جارا الذي أعدم لأجل أفكاره وأغنياته. إذاً نحن نتحدثّ عن مثقفين مختلفين ومتنوعين يدافعون عن الحرية بكل ما أوتوا من قوة». يشير «شاعر الفلاحين» إلى أنَّ المثقف «الذي لا يحمل هم الحرية، لا يستحق أن يحمل لقب مثقّف. هكذا يمكننا تفسير سلوك الشيخ إمام، وسيد درويش، وعدلي فخري، وفؤاد حداد»... وأيضاً «عم زين» الذي دفع أثماناً باهظة. عدا تأخر ديوانه عن الطبع لأكثر من سبع سنوات، دخل المعتقل أكثر من مرةٍ إبان العصر الناصري: «في الحقيقة أنا كان موقفي أكثر حدة من غيري في التعامل مع النظام الناصري. مثلاً، كانوا في تلك الفترة يتحدثون عن تأميم بعض الأماكن، ووجود مصانع في مصر. كان موقفي مختلفاً، إذ لم أكن أرى في كل ذلك أي شبهة «اشتراكية» أو ما شابه، ومن هنا كانت أول قصيدة في الديوان التي أقول فيها: «لانطق كلامي للبلد جدعان/ يحكوا عن الشعرا اللي داسوا الخلق/ يحكوا عن الشعرا اللي عرفوا زمان/ إن الأمان: دفن اللسان في الحلق.. قالوا اللي بيبيعوا الكلام برغيف: الموجة دي ضحكة عروس النيل وآدي الحفيف الزفة والمووايل/ الدفة قالت: لأ الموجة دي دمعتها عالمقاتيل/ ردوا اللي بيقولوا الكلام قناديل: «الموج في قلب النيل سبايك خير والخير يروح للغير، واللي عرق زنده، لسانه إزرق. كل هذا معناه أنه إذا كان لديك صناعة، ليس معناه أنه لديك «اشتراكية»، فأميركا لديها صناعة، هل لديها اشتراكية؟». كلفت هذه المواقف التباعد بينه وبين الآخرين: «بعد حرب أكتوبر عام 1973، كتبت قصيدتي المعروفة «الفلاحين» التي غنّاها الشيخ إمام، وعدلي فخري وأحمد الشابوري (هناك ثلاث نسخ منها).


المثقف الذي لا يحمل هم
الحرية، لا يستحق أن يحمل لقب مثقّف (ز. ف)

كتبت القصيدة في 7 أكتوبر، ونشرتها في 8 منه. كنت أريد أن أنشر بسرعة قبل أن يبدأ «المطبّلون» بقول أمورٍ أخرى عن الحرب وما حصل. كنت حريصاً على القول بأنّ سينا هي البداية، وأن الحرب ضد الجوع، والقهر، والتتار». كلّفته هذه القصيدة التي ألقاها 15 مرة متتالية في الحفلة نفسها، أن وقفت سيدة مصر الأولى حينها جيهان السادات (كانت حاضرة في الأمسية) وصرخت بملء صوتها «مصر ما فيهاش جوع». وقوف السادات زوجة الرئيس، أغضب السادات الزوج، فغضب بالتالي على الشاعر ومنعه من النشر ومن طباعة دوواينه. مع ذلك، يميز صاحب «اتجمعوا العشاق» كثيراً بين شعراء دافعوا عن الأنظمة لأنّهم كانوا «مؤمنين» بها، وليس لأنّها اشترتهم، «قد يكتشف هؤلاء الشعراء لاحقاً خطأهم، فيغيروا وجهة نظرهم، أو يصابوا باكتئاب، وهذا حصل فعلاً»، في إشارة إلى الشاعر الكبير صلاح جاهين، صديق فؤاد الذي يكنّ له الشاعر حباً واحتراماً شديدين. يؤكد صاحب «وش مصر» بأنَّ كثيرين لم يعرفوه «شاركت في مهرجان تكريمي له، وأحسست أنهم تكلمون عن شخص لا أعرفه. لذلك قمت وألقيت شيئاً من قصائده، وحكيت عنه وقلت لهم سأتحدث عن شخصٍ لا تعرفونه يدعى صلاح جاهين. للأسف يظلم كثير من الأشخاص بتصنيفهم ضمن عملٍ أو عملين من أعمالهم فقط. مثلاً، حين يذكر فؤاد حداد، يتحدث الناس مباشرةً عن «المسحراتي» أو «الأرض بتتكلم عربي»، فيما هو لديه أعمال كثيرة قبل الثمانينيات (وقت إطلاق الأغنيتين)». ماذا عن قضايا اليوم، وتحديداً قضية الأسرى الفلسطينين المضربين عن الطعام في وجه آلة الحرب الصهيونية؟ يشير الشاعر الذي أضرب مرات عدة عن الطعام، كانت إحداها إثر اعتقاله عام 1977 ضمن انتفاضة «الخبز» المصرية الشهيرة، بتهمة تحريضه عليها، أنّ الإضراب عن الطعام هو «السلاح الأخير الذي يلجأ إليه المعتقل أو الأسير. لا يبقى أمامه إلا جسده كي يقاوم به نظاماً عنصرياً لم يبق غيره أو مثله في العالم». وأسف «شاعر الفلاحين» لأنّ الإعلام لا يتحدث اليوم عن فلسطين، ولا «يتحدث عن قضية الأسرى. قضية أرض بأكملها أسيرة، وطن بأكمله أسير، فدور معركة الأمعاء الخاوية الحقيقي أنها تعيد القضية إلى الواجهة، وتقول للناس بأن هناك وطناً محتلاً اسمه فلسطين». أين يقف الشاعر من كل ما يحدث، خصوصاً مع العلم بأن عم زين، كما يحب الشباب أن يطلق عليه، يجتمع مع عدد كبير من الشبان بشكل دوري «للحديث في الأمور التي تهم جيلنا وجيلهم»؟ يجيب بأنّه نزل بشكل مكثّف إلى الميدان إبان «ثورة 25 يناير»، وعمل على توثيق الثورة عبر الصورة. اكتشف أنه يحبها كثيراً، وقلما تجده اليوم من دون كاميرته التي يصوّر بها كل شيء. ثم ينشر كل شيء على صفحته الفايسبوكية: «قمنا بتجربة «الفن ميدان» وعملنا مع الشباب في الشارع، ووثقت التجربة عبر الصور التي آخذها وأشاركها». أضف إلى أنه عمل بشكل مباشر في حملات حمدين صباحي السياسية، فكان مشاركاً فاعلاً وعلى الأرض بها. صحيح أن كثيرين يتعمدون تغييبه، إلا أنهم «لا يستطيعون تغييبي في معرض الكتاب، لكنه يحدث مرة كل عام، لأجل ذلك تجدني موجوداً هناك». هنا يأتي السؤال: من يريد تغييب الشاعر؟ يجيب بهدوء: «النظام ما بيحبنيش؛ حتى إنّهم لم ينشروا لي أي قصاصة إلا بعد ثورة 25 يناير (الهيئة العامة للكتاب)».

الفن ميدان

لم تكن تجربة «الفن ميدان» جديدةً على زين العابدين فؤاد. سبق أن قام بها مع زميله المغني عدلي فخري إبان عام 1982. يومها، كان يودّ العودة إلى مصر بعدما زار بيروت لفترة، ليكتشف بأنّ السادات اعتقل عدداً كبيراً من المثقفين المصريين. وكان اسمه من بين تلك الأسماء، أي أنّه سيُعتقل بمجرد عودته. يومها أشار عليه «الختيار» (الرئيس الفلسطيني الراحل أبو عمّار) أن يبقى في لبنان. هو رفض بداية، إلا أنّ بدء الاجتياح الصهيوني للبنان، جعل الشاعر يغيّر رأيه. حمل أشعاره وبدأ مع فخري بزيارة المواقع وقراءة الشعر والغناء للمقاتلين والمقاومين المدافعين عن العاصمة اللبنانية (فضلاً عن كتابته اليومية للصحف آنذاك). تلك التجربة أعيد إحياؤها بشكل أو بآخر من خلال تجربة «الفن ميدان». أعيدت قراءة الشعر والقصائد والأغنيات القديمة والجديدة في شوارع الميدان وأمام جموعٍ من الشباب. كانوا يحفظون قصائد الشاعر حتى من دون معرفتهم الشخصية به. «الشعراء يستشرفون المستقبل، وقصائدهم تتحدث عن أمورٍ ستحدث ولو بعد حين» يقول فؤاد في إشارة إلى أنه ألقى قصائد من الستينيات ينفع إسقاط معانيها على الوضع الحالي اليوم.

حب في الزنزانة

اتسمت علاقة الشاعر بزوجته الأولى القاصة الفلسطينية باسمة حلاوة بالكثير من الصفات، أهمّها الصبر والجلد، فضلاً عن الصلابة والحب. كان جسد الشاعرة رقيقاً وقلبها ضعيفاً، لذلك كان فؤاد يحملها إذا أرادا الذهاب لزيارة منزل في طوابق مرتفعة. لم تكن تقدر على صعود الأدراج. «لقد تعارفنا في القاهرة عام 1976 بعدما أنهت هي دراسة الماجستير في موسكو. لم يلائمها الجو هناك. لذلك، أتت إلى مصر لدراسة الدكتوراه في علم الاجتماع. تعارفنا عند أحمد فؤاد نجم. هي كانت مسحورة بقصيدتي «الفلاحين».
لاحقاً تطورت العلاقة، وكان نجم أحد شهود الزواج». باسمة التي تزوجت الشاعر في آب (أغسطس) 1976، لم تعش معه حياةً عادية. سرعان ما بدأت مراحل اعتقاله (منذ نوفمبر 1977)، فباتت كل مقابلتهما تحدث في السجن: «كنا نشاهد بعضنا أغلب الوقت يفصل بيننا شباك معدني (كل 15 يوماً). كان يسمح لنا بالجلوس معاً مرة واحدة لربع ساعة فقط. لأجل ذلك، كنت أقول إنها «شمس بتجيني بتصريح الزيارة»». وحين خرج من معتقله عام 1978، عاشا شهراً معاً، قبل أن تعود باسمة لمرحلة علاجها. رحلت إلى أميركا لإجراء عملية جراحية معقدةٍ هناك. بعد سفرها، أعيد اعتقال الشاعر، وبعد مدّة وصله عبر محامٍ أنّ المستشفى في أميركا يسأل: «أين ستستلم الجثّة». «في نابلس» كان جوابه، وهو ما حدث. وكان فؤاد من محبسه في سجن طرّه، كتب لباسمة واحدة من أجمل قصائده «الأغنية الأولى لباسمة» (عام 77) يقول: «ومصر اللي من جوه سجني/ تجيني صورتها الجديدة/ ونابلس تجيني في غناكي حمامه بعيدة/ تجيني قصيدة. أحبك/ وبينك وبين البلاد البعيدة، جيوش اليهود/ وبيني وبينهم صفوف الكلاب، القيود، تهدي سجوني نخطي الحدود/ أحبك يخضر لموني وزيتوني/ يفتح على طرف أيدنا البارود /يفتح على طرف إيدنا البارود».

الشعر العامي

بدايات زين الشعرية كانت مع الفصحى حيث نشر أولى قصائده في مجلة «الرسالة»، وكان لا يزال في الـ12 من عمره. لكن الشعر العامي سرعان ما استهواه. وجده أقرب إليه وإلى الشارع الذي يسحره. كتب الشعر العامي، ثم ترجم الشعر بالعامية («قصايد بالإسبانيولي» وهي قصائد للوركا ترجمها الشاعر بالعامية في ديوان «وش مصر»). إلا أنه سرعان ما عرف بأن الشعر لا يترجم إلى العامية: «لأنك حين تترجم إلى العامية، تضيف منك شيئاً إلى الشعر، تدمغه بلونك ولو لم ترد، هنا تغيب الحدود بين المترجم والشاعر. لذلك، ببساطة لم أقم بذلك مجدداً، بت أترجم إلى الفصحى فقط، حتى إنّ واحداً من أهم الكتب التي أنجزتها في حياتي - بحسب اعتقادي- «شعر الضفاف الأخرى» (2005) وهو عن الشعر الأفريقي، كله مترجم بالفصحى فقط». العامية المصرية بالنسبة إلى زين هي أساس: «نحن عرفنا الشعر قبل عشرة آلاف عام، أي قبل دخول الفصحى التي بقيت غريبةً سنواتٍ طوال وسجينة قصور. أول شاعرٍ مصري كتب بالفصحى هو ابن نباتة (1287-1366م). خلال تلك المدّة (حوالى 600 عام بعد دخول الفصحى إلى مصر) وقبلها، كنا نكتب بالعامية، كنا نأكل ونشرب ونتزوج ونتحدث بالعامية. الأمهات كن يغنين لأطفالهن بالعامية. بالتالي كنا أقدر على الكتابة بالعامية».