سارت حياة زين العابدين فؤاد على هيئة نهر طويل من المفارقات، بدءاً من تسجيل ولادته بعد وفاة أمه بيوم واحد ــ أي أنه حسب السجلات الرسمية، هو مولود بعد وفاة والدته ــ وليس انتهاء بنسب قصائده لغيره، وهو الشاعر المحروم من ماكينة إعلامية تجري خلفه وتسنده وتوضح المغالطات الحاصلة بحقه.


لعل قصيدة «مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر» أو بحسب عنوانها الشائع «اتجمعوا العشاق»، واحدة من تلك المفارقات، وهي التي غنّاها الشيخ إمام ونُسبت عن طرق الخطأ لأحمد فؤاد نجم، وتمّت إعادة الاعتبار إليها في «ثورة يناير» 2011 لتظهر بمثابة النشيد الرسمي لجمهور الثوّار في ميدان التحرير في القاهرة. إلى هذا مفارقة أن يُمنع من نشر أعماله طوال سنوات لمصادفة وجود جيهان زوجة الرئيس المصري السابق أنور السادات في أمسية كان «شاعر الفلاحين» مشاركاً فيها. حين قرأ من قصيدة له «والحرب لسه في أول السكه، إتفجري يا مصر، إتفجري بالحرب ينفلق النهار، إتفجري بالحرب ضد الجوع والقهر ضد التتار»، نهضت جيهان صارخة في وجهه «مصر مافيهاش جوع» وخرجت من القاعة ليصدر زوجها بعد ذلك قراراً بمنع طباعة قصائد هذا الشاعر الواقع بين فكّي المصادفات العجيبة.
في 1978، صدر له ديوان «الحلم في السجن» عن «دار ابن خلدون» في بيروت وهي مجموعة قصائد تم تهريبها من السجن الذي كان يقيم فيه. ولهذا السجن مفارقة أخرى. لقد كان محبوساً بتهمة معاداة النظام العسكري بسبب قصائده. وفي كل مرة يذهبون به إلى المحكمة، ينال قراراً بالإفراج، لكن ما يلبث أن يعود للسجن بعد تدخل من السادات نفسه ليعود مجدداً وهكذا. ستكون العودة الأصعب إلى المعتقل إثر توقيع معاهدة كامب ديفيد والاعتراض الكبير الذي حصل ضدها، وكان شاعر الفلاحين أحدهم. سيضرب عن الطعام لتحسين وضعه في حين ستموت زوجته الأولى وهو في ظلام السجن.
سُمح لشاعر «أغاني من بيروت» السفر خارج قاهرة المعز عام 1981 ليختار الاردن ثم الانتقال إلى الشام ولاحقاً بيروت حيث ستكون إقامة طويلة سينتج خلالها قائمة طويلة من نصوصه. وفي بيروت نفسها، ستحصل مفارقة أخرى من مفارقات حياة هذا الشاعر. سيتلقى اتصالاً من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات حين كانت بيروت وطناً بديلاً لأهل فلسطين. حصل الاتصال في الخامسة فجراً، وطلب أبو عمّار عبره رؤية صاحب «وش مصر» على نحو عاجل. وصل صاحبنا إلى مقر إقامة عرفات ليجد هناك جماعة من أدباء فلسطين المقيمين في بيروت على رأسهم محمود درويش. كان زين العابدين يعتقد أن طلب اللقاء كان بهدف اللقاء الوداعي قبل عودته إلى القاهرة. لكن الأمر اختلف حين مد إليه بنسخة من جريدة «الأهرام» وفيها خبر عن صدور قرار باعتقاله إذا وصل القاهرة. كانت تلك الحركة التي قام بها السادات، واعتقل فيها نحو 1500 من نخبة مصر. هكذا، كانت الإقامة في بيروت مناسبة لتوطيد علاقته بالمكان وأهله.
لكن شاعرنا سيكون على موعد مع مفارقة جديدة حين قرار عودته إلى القاهرة. يبدأ العدوان الإسرائيلي على لبنان، وحين يطلبون منه المغادرة والعودة إلى أُم الدنيا، يخبرهم: «مجنون مين اللي يلاقي حرب ويسيبها ويهرب» ليبقى في بيروت مقاوماً وحتى اليوم ما زال حاملاً صورة ذلك المقاوم.