على غرار لمّة من مغنيات الجاز والبلوز الصاعدات اللواتي دعاهُنَّ «ليبان جاز» لتقديم أمسية (تعريفية بالنسبة إلى الغالبية الساحقة من الجمهور اللبناني) في «ميوزكهول» (الواجهة البحرية)، يتجدّد الموعد هذه المرّة مع المغنية الإنكليزية آلا.ني (ALA.NI).


تأتي الحفلة المرتقبة مساء الأربعاء بعد الرحلة الصادقة والمتواضعة (سنعود إلى هاتَين الصفتَين بعد قليل) التي اصطحبتنا فيها معها المغنية المغربية أم الغيث بن الصحراوي (المعروفة بـ «أم») إلى عوالم موسيقى الصحارى المغاربية وجوّها الدافئ/ البارد المولَّف بأسلوب معاصر.
«أم» كانت من الفنانين الزائرين القلائل الذين لا ينضح حضورهم على المسرح بالادّعاء والتعجرف أو أيضاً ببعض الخبث المبطّن بكلام مطّاط عن جمال البلد المضيف وعظمة شعبه. ربما لم نحظَ ـــ تحديداً في «ليبان جاز» ـــ بفنان حقيقي (لناحية شخصيته ونفسيته، بصرف النظر عن مستواه الفنّي) مثل «أمّ» منذ زيارة عازف الترومبت الإيطالي أنريكو رافا، تماماً بعكس المغنية وعازفة الغيتار الآتية من فرنسا (حيث تعيش) بعد مالي (حيث ولدت)، فاتوماتا دياوارا التي زارتنا قبل أسابيع قليلة. وهنا نعود فوراً إلى الصفتَين المذكورتَين أعلاه. الآنسة دياوارا، الأفريقية المسلَّحة باعتراف واحتضان المستعمِر الأوروبي، صاحبة المساهمة شديدة التواضع في الموسيقى كمّاً ونوعاً، بدَت كأنها تعتقد نفسها إيلا فيتزجيرالد وقد عادت من الموت لتقيم حفلة واحدة أخيرة، وتنقل لنا آخر أخبار لويس آرمستروغ من الآخرة! قبل حفلتها الوحيدة في «ميوزكهول» (أمام بضعة عشرات) وليس في الـ «بيال» (أمام الآلاف)، نظّمت «دار النمر» لقاءً معها للكلام عن «ترسانتها» الفنية المؤلفة من بضع أغنيات، فأتت متأبطّةً أسهل آلة موسيقية على الإطلاق (غيتار كهربائي) لتبث عجرفتها على مجموعة من المثقفين ومحبّي الموسيقى. جلست تردّ على أسئلة الحضور من على عرشها الفني، بأسلوب فيه ازدراء رغم سطحيته (وهكذا فعلت في حفلتها «التاريخية»)، ناهيكم عن الأخطاء النظرية الموسيقية التي تلفّظت بها بثقة المعتقِد بأنّ ليس بين «هؤلاء الجَهَلَة» الحاضرين مَن يمكنه أن يحاسب.


تعتمد تركيبات مختلفة لمرافقتها الموسيقية
يومها، سألْنا منظِّم زيارتها إلى لبنان، كريم غطّاس، عن سبب هذا السلوك غير اللائق، فردَّ: «لم تنم جيداً»! أضف إلى ذلك أنّه ـــ على سيرة الأخطاء ــ ورد في الإعلان عن حفلة دياوارا آنذاك، أنّ موسيقى فيلم «تمبكتو» (للمخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو) الحائزة أوسكاراً عن فئتها (موسيقى فيلم أصلية)، تحمل توقيعها، وهذا غير صحيح. لكن الفتاة العابسة لعبَت جيداً دور «المؤلف الموسيقي»، علماً أننا أشرنا في المقالة التي سبقت حفلتها إلى واضع موسيقى الفيلم الموريتاني المذكور، وهو التونسي الشاب أمين بوحافة.
بالعودة إلى ALA.NI التي نتعرّف إليها عن قرب في لقاء معها في «دار النمر» (مساء اليوم الثلاثاء)، ثم إلى أدائها في الأمسية الوحيدة التي تقدمها «ميوزكهول» (مساء غدٍ الأربعاء)، يجب بدايةً التوقّف عند اللقب المرفق بالإعلان عن حفلتها وهو مأخوذ من مقالة في الـ «غارديان»، وقد تناقلته الوسائل الإعلامية المحلية من دون تدقيق… على اعتبار أنه «مُنزَل» من سلطة عالية جداً. سمّاها زملاؤنا اللندنيون «بيلي هوليداي الجديدة». ماذا؟ هذا ممكن، لأن التاريخ قد يفاجئنا في أي لحظة بـ «هوليداي جديدة» وربما بأحسن منها. لكن، بكل بساطة، هذا لم يحصل بعد، بالتالي اللقب الـ «غارديانيّ» مضلِّل وينمّ إما عن دعم مبالغ، إما عن جهل بصوت بيلي هوليداي (وهذا مستبعد). فصوت السمراء الصاعدة جميل، نعم، وأصيل لناحية ارتباط نبرته بالجاز والبلوز والبرودواي ستايل، بالتأكيد، لكنه… محدود الطاقات (نسبةً إلى مغنيات الجاز لا البوب). هي مغنية كورس سابقاً. ردّت خلف ماري جاي بلايدج، وأندريا بوتشيلّي، وكذلك فرقة الروك البريطانية الشهيرة Blur. مسيرتها المنفردة ليست قديمة ولا غنية كماً. استقلّت بتجربتها عام 2015 حين أصدرت في فصل الربيع من تلك السنة ألبوماً قصيراً (EP من ثلاث أغنيات)، أتبعته بثلاث مماثلة في الفصول الأخرى على التوالي، لتجمع لاحقاً أغنيات الفصول الأربعة في ألبوم أوّل عام 2016 بعنوان You and I، حوى أعمالاً خاصةً جديدة وكلاسيكيات. من جهة ثانية، تعتمد آلا.ني تركيبات مختلفة لمرافقتها الموسيقية، إذ تُختصر غالباً بآلة واحدة (غيتار أو بيانو أو كونترباص)، ما يجعل الجو الهادئ طاغياً على العمل بالعموم، أو تتوسّع إلى عدد يبقى قليلاً من الآلات (اثنتان أو ثلاث، بالإضافة أحياناً إلى خلفية صوتية).
لا يساوي هذا الكلام عملية الاستماع إلى موسيقاها، للتعرّف إلى فنّ آلا.ني. ولا تساوي مشاهدة فيديوهاتها قوّة اللقاء المباشر بها، للتعرّف إلى شخصيّتها، عندما تغني (غداً في «ميوزكهول») أو عندما تناقش (الليلة في «دار النمر»).

* «احكيني موسيقى»: لقاء مع آلا.ني بإدارة كريم غطاس وبيار أبي صعب ــ س:19:00 مساء اليوم ـ «دار النمر» (كليمنصو) ــ للاستعلام: 01/367013
* حفلة غداً الأربعاء: س:21:00 ـــ «ميوزكهول» (الواجهة البحرية)