اختتمت دانيا حمود أول من أمس عرضها الراقص الجديد «استراحة على منحدر» (40 د) في قبو «كنيسة مار يوسف» (مونو ــ بيروت). يلائم الفضاء الضيّق والصغير، شحّ الحركة، أو لاحركة جسم المصمّمة والراقصة اللبنانية.


أمام إضاءة خافتة، ومساحة خالية من أيّ عنصر سينوغرافي، قدّمت حمود رقصتها الضئيلة والمكثّفة. تستلقي على الأرض. تتقلّب بما يشبه التململ. ترفع يديها وقدميها بثقل. بحضور لافت لتعابير الوجه (تعزّزها خلفيتها المسرحية)، تحدّق حمود بالجمهور، الذي يصبح أحد العناصر المحرّكة للعمل، بشكل أو بآخر، كالموسيقى المباشرة لشريف صحناوي الذي رافقها طوال العرض (غيتار كهربائي ومؤثرات الكترونية). تمحي المسافة الفاصلة بين جسد الراقصة والجمهور الذي يصبح وجوده رمزية للفضاء الخارجي الذي يتخبّط الجسد به طوال العرض.
عملها الجديد مشرّع على عرض «محلّي» (2013) وبحث حول الجسد وتجلياته. في «استراحة على منحدر»، تتبع بحث الجسد المستحيل عن الراحة والاستكانة، وسط صخب المنطقة سياسياً والضغط الاجتماعي الخارجي في المطلق، والهواجس الداخلية. تقلّص حمّود هذه العلاقة كوريغرافياً إلى حركة واحدة مرهِقة هي فعل النهوض وما يسبقه، بما يحمله من دلالات تلامس الانخراط الاجتماعي المتردّد أبداً، في بحث الجسد عن وجود له.
القسم الأوّل والأكبر من العرض يرتكز إلى تلك التخبطات بين الجسد ورغبته باللحاق بالخارج، وتوقه، في الوقت نفسه، إلى الأمان الآتي من الانشقاق عن المحيط. الكوريغرافيا خاضعة لبحث حمّود عن وجود لجسدها ككيان مادّي وملموس. اختارت فعل التمدّد بتقشّفه وانغلاقه، لمساءلة الجسد وحضوره بالمطلق. الجسد مادّة صامتة وراكدة، توازي النوم، واللاحركة، لكنه، رغم ذلك، لا ينجو من تلك الأصوات الملحة والضاغطة (ضربات شريف صحناوي). لا هدنة تامّة أو هدوء في العرض. رغم وضعية الاستلقاء والوتيرة المتمهّلة للحركة، يصطدم الجسد بنفسه، وبأعضائه، بالقدمين واليدين... تلك التي تزيد انكماشه. يتكثّف حضور الجسد وحركته. تتغيّر مواضعه ببطء شديد، بما يشبه الضجر، لكن ليس خارج نطاق الأرض. تثقل حمود فعل النهوض بمعان فلسفية أشمل، فيصبح هو القيامة أو الولادة من منظور أنثوي. أن يكون الجسد أو لا يكون، ضمن حدود رغبته، المتطلّبة جداً، في النهوض أو عدمها. تلبّي حمود، متأخرة هذا النداء، الذي كان يضيّق عليها طوال فترة العرض. الآن وإذ ينتصب الجسد، بعد التواءات كثيرة، فإنه لا يتخلّى عن تعثّره. الجسد يواجه المحيط بتردّد أكبر ربّما. تتعثّر الحركة في تنقّلها من الحوض، فالفخذ فالركبة فالقدم، تتعثّر قبل أن تنزلق بما يشبه الارتجاج إلى حافّة الرقص الآلي.