بعد موضة «أخبار البورنو» التي اجتاحت الشاشات الافتراضية والإلكترونية، متكئةً على مضامين غير علمية ومهنية، ضمن غلاف من الإثارة لجذب القارئ، دخلت خدمة الأخبار العاجلة على الهواتف النقالة، أخيراً على الخطّ. ها هي توظّف حوادث وجرائم دموية، تختصرها بسطر واحد وتدعو المتصفح للدخول الى الموقع الإلكتروني للقناة «لمعرفة باقي التفاصيل».


أخبار تتعلق بجرائم واغتصاب وعنف أسري، وتحرش جنسي... هذه الحوادث التي تتسم بأبعاد إنسانية، ونفسية، واجتماعية، توضع اليوم في حيّز الأخبار العاجلة، تكثَّف في المعنى، وتسلخ عنها المعالجة الحقيقية. والأكثر خطورة أنها مع الوقت توّلد بلادة عند المتلقي، فتصبح أخباراً يومية عادية (ومملة). كلّ ذلك بهدف الربح المادي، من خلال اللجوء الى أساليب غير مهنية، ولا أخلاقية من قبل غالبية المواقع الإلكترونية والإخبارية، بهدف التجارة وإدخال الإعلانات الى الموقع، واحتساب أعداد الوافدين اليه.
جرائم دموية وبشعة من قتل وتنكيل، تهز المجتمع اللبناني، أو قضية تحرش رجل بفتاة على كورنيش البحر، تُحّول كلها إلى خبر سريع تحت عنوان «العاجل»، فما تأثير هذا الضخّ اليومي لهذه الأخبار؟ هل أضحينا أمام مجتمع مزنّر بالجرائم أم هو فقط نتيجة تكثيف الإعلام لهذه الأخبار؟ ما تأثير هذا الضخّ مستقبلاً على تفاعل المتلقي معه؟ وهل من شأن البلادة التي تتولد لديه، أن تنذر بمزيد من العواقب اجتماعياً ونفسياً؟
في التعريف عن الأخبار العاجلة، تورد أستاذة الإعلام زينب خليل، بأنه الخبر الذي لا يحتمل التأجيل، أو يكون بمثابة «قضية كبيرة استثنائية»، وجب الإبلاغ عنها.


هو الخبر الذي لا يحتمل التأجيل،
أو «قضية» يجب الإبلاغ عنها
طبعاً، هذا التعريف ــ كما سيتبين معنا ـــ لا ينطوي على ما يحصل اليوم على هواتفنا. أغلب هذه الأخبار تحتمل التأجيل، ومكانها ومعالجتها في مكان آخر، أكان في نشرات الأخبار أم في التحقيقات الإخبارية الجدية. مجرد وضعها في الأخبار السريعة تخسرها من قيمتها الخبرية والإنسانية. تلجأ الوسائل الإلكترونية والتلفزيونية الى هذا الاستخدام بهدف تجاري يكسبها مردوداً مادياً، ولو على حساب المسؤولية الاجتماعية التي يجب أن تتحلى بها. تبعاً لخليل، فإن هذه المواقع تتعامل مع المتلقي بوصفه «حصة إعلانية» يتم بيعه وشراؤه، لدى وكالات الإعلان. والأنكى أنها تستدرجه عبر عناوين مثيرة ومضللة. تذكر هنا كيفية إيراد خبر وفاة المصورة والفنانة المغربية ليلى علوي في بوركينا فاسو العام الماضي، مع استغلال الاسم عينه للممثلة المصرية الشهيرة. وقتها، خال القراء أن من توفيت هي الممثلة المصرية، وكان هذا الأمر مقصوداً في التلاعب بطبيعة الخبر، لإجبار الناس على دخول الموقع.
تعود خليل الى أسباب لجوء مواقع القنوات التلفزيونية الى هذا النوع من الصحافة الصفراء، كونها دخلت ضمن منافسة مع باقي المواقع الإلكترونية التي لا تتكئ على معيار مهني وأخلاقي، بخلاف الإعلام التقليدي (من صحف وتلفزيون)، الذي ما زال نوعاً ما يمشي بين ثنايا هذه المعايير. هذا الدخول أثّر كثيراً عليها وعلى المستوى المتدني الذي تقدمه، وبالتالي على القارئ. الأخير أضحى متلقياً سلبياً إزاء كل صور الموت والدماء والقتلى والجرحى. وصار هذا الأمر عادياً جداً كأي خبر يومي، لا يثير عنده أي استغراب أو تفاعل. تنطلق أستاذة الإعلام من هذا الواقع، لطرح سؤال جوهري: «هل فعلاً بتنا مجتمعاً تزّنره الجريمة؟ هل بات منطق الجريمة هو السائد؟». إذا قارنا أرقام وإحصاءات هذه الجرائم الواقعة في لبنان، فإننا سنكون أمام واقع مختلف، أمام ما أسمته خليل بـ «أعلَمة» الجريمة، أي ضخ هائل من الأخبار حول الجرائم، بأسلوب سريع ومكثف. للحظة يخال أي متلق أنه يخشى حتى السير في الشارع، أو يقرر مثلاً منع أولاده من الخروج. هذه السلوكيات حتماً متأتية من هذه «الصناعة» التي تنتهجها الأخبار العاجلة، وتخلق أجواء من القلق والخوف ـ كما تشرح خليل ــ وبالتالي تقيّد المتلقي بسلاسل، ويضحي أسيرها على مدار الساعة. هكذا، تضاف الى أزماته المتراكمة، أزمة جديدة، ليتحول الى إنسان خاضع كلياً لها، من دون طبعاً أن يصل الى رسائل حقيقية وإعلامية من هذه القنوات، التي تحوّل الحدث الأساسي الى مجرد أخبار مثيرة تتاجر بالضحايا وبصورهم وبمآسيهم.