باريس | اكتشف صوته للمرة الأولى وهو يرتل القرآن في «طبلبة» بلدته الصغيرة التي ترتاح على ضفة المتوسط، قبل أن يبحر لاجئاً في سبيل الفن، في رحلة طويلة وشاقة باحثاً عن الموسيقى.


هذا الشاب في مقتبل العمر، لم يكن يعلم وقتها أنّ مغامرته ستصل به إلى تكريس اسمه واحداً بين أبرز موسيقيي العالم.
ظافر يوسف (1967)، «الملَك»، و«الإلكتروني الصوفي» صاحب الـ«نبوءة الإلكترونية» و«الظلال الإلهية»، و«قدّاس الطيور»، أطلّ قبل شهر على خشبة الـ «أولمبيا»، أشهر مسارح العاصمة الفرنسية، ليطلق ألبومه الجديد «ديوان الجمال والغرابة» (Diwan Of Beauty And Odd) في قلب المدينة التي احتضنته ردحاً من الزمن.
يكفي أن نعود إلى بدايات ظافر يوسف مع أول ألبوم في مسيرته «مَلَك» (1998) حتى آخر ألبوم، كي ندرك أنه رسم طريقه منذ البداية، وندرك الوعي المبكر بضرورة التجديد والابتكار الذي صاحب الفنان... وعيه بضرورة أن يكون مختلفاً ومتفرداً في عصر موسيقي يتمرغ في ثالوث النسخ واللصق والتكرار. هذا الوعي كان بمثابة المفتاح الذي فك فيه الفنان أقفال الموسيقى العصية على غيره من الفنانين.
لن نقول عن الألبوم الجديد إنّه مختلف، لأننا تعودنا على الاختلاف في أعمال الفنان. سنقول إنّه ألبوم ساحر يضيف أبعاداً جديدة في مشوار التجديد الذي سلكه. ألبوم ولدت فكرته قبل 17 عاماً كما يخبرنا. يومها، ذهب إلى نيويورك ليسجل ألبوم جاز، لكن الفكرة تأجّلت، ليسجّل ألبوم «إلكتريك صوفي» (2001) الذي فتح له أبواب الشهرة العالمية على مصراعيها.
كلّ ألبوم لدى الفنان التونسي هو مشروع مختلف وموسيقى مختلفة. كل ألبوم، هو ثقافات متعددة تلتقي جميعها في بوتقته. بعد فسيفساء مشاريعه السابقة آخرها «قدّاس الطيور» (2013) الذي تعاون فيه مع عازف الكلارينت الشهير التركي «حسنو«»، يسافر يوسف إلى نيويورك لتحقيق حلم تأخر، حلم ألبوم جاز. وبالرغم من الحضور الكبير للجاز في معظم أعماله السابقة، إلا أنّ بإمكاننا القول بأن «ديوان الجمال والغرابة» هو الجاز الخالص في مسيرة الفنان.


أكثر من ثيمة أساسية
تجعله ألبوماً متفرداً
في الجاز المعاصر

ألبوم خرج من شوارع نيويورك، استعان فيه الفنان بنخبة من أمهر عازفي ومؤلفي الجيل الجديد للجاز الأميركي: «آرون باركز» (بيانو)، وجستن فوكنر عازف الدرامز الشهير بالرغم من صغر سنه (1990) الذي أشعل العرض في «الأولمبيا»، ومات بروير (دبل باص)، وأخيراً عازف الترومبيت آمبروس أكينموسري الذي يعد واحداً من أبرز موسيقيي الجاز المعاصر. هذه الخلطة الفريدة أتاحت ليوسف تحقيق حلمه القديم، وقطف ثمار تجربة طويلة يتوجها الآن بإنتاج موسيقى الجاز التي فكر فيها طويلاً، ألبوم الجاز الأصفى حتى الآن.
إلى جانب مهارة العازفين الاستثنائية، يرتكز «ديوان الجمال والغرابة» على أكثر من ثيمة أساسية ستجعله ألبوماً متفرداً في موسيقى الجاز المعاصر: أولاً الحرية في كسر المألوف والقفز عنه، إذ يدخل يوسف مساحات جديدة ومحرمة على معظم الموسيقيين، ليكسر قوانين الصوت والإيقاع. سنستمع إلى إيقاعات لم نسمعها من قبل. هنا يسخر يوسف من الـــ «4/4» و«6/8» وغيرهما من الإيقاعات المعتادة. يلعب الموسيقى كما يعيش ويمشي ويتحرك. يقول لنا مستغرباً: «من منا يمشي أربعة على أربعة؟ لا أحد». ثراء وديناميكية القطع، ثيمة أساسية تحضر أيضاً في الألبوم. سنستمع إلى قطع مليئة بالجمل اللحنية والتحويلات الموفقة، ودفق جمل كثيرة تجعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن المقطوعة الواحدة ليوسف، قد تكفي بما تحويه من أفكار وألحان لإنجاز ألبوم كامل، وهنا تحديداً سنعرف لماذا احتاج الألبوم إلى كل هذا الوقت. وأخيراً الصوت، وهو لدى يوسف قصة أخرى، يمشي فيها الصوت البشري بخطين متوازيين: واحد كآلة دربها الفنان لأداء طبقات عالية عصية، يأتي متحرراً من الكلمات، كأنّه صوت بدء الخليقة، أو صوت ما قبل اللغة والكلام، وآخر محملٌ بكلمات اللسان العربي للفنان، الصوت الذي حضر في الألبوم بشاعري دمشق المتصوف عبد الغني النابلسي والأخطل.
وبينما جاء ألبوم «قدّاس الطيور» محملاً بمقاطع شعرية للحلاج (مُزجت روحُك بروحي/ كما تُمزج الخمرة بالماء الزلال)، وأبو نواس (دعِ المساجدَ للعباد تسكنُها/ وطِفْ بنا حوْل خمارٍ ليسقينا) كأنه أراد وقتها أن يرد على التطرف وموجات الأسلمة المتشددة التي ظهرت بعد ما سمي بـ«الربيع العربي»، افتتح يوسف عرضه في الـ «أولمبيا» بالطريقة نفسها التي استهل فيها ألبومه، بالشاعر عبد الغني النابلسي: «بحجابِ النفسِ قومي حُجِبوا ويحَهُم كم يدَّعونَ الفـِطَنَا/ يعبدونَ اللهَ خـوفاً من لَظى فلظــىً قد عبدوا لا ربَّنا«». كأنه أراد أن يقدم نقداً لحال مجتمعاتنا العربية اليوم. أما الخمر، فظل حاضراً أيضاً بكلمات الأخطل: «سأشربها شمولا وأسجد عند منبلج الصباح». النقد والجرأة العالية التي طالما صادفناها في أعمال الفنان وتصريحاته، لم تكن غائبة عنه على خشبة الـ «أولمبيا» حيث أطلق كل سهامه. سهام لم يسلم منها الإسلاميون المتشددون، ولا اليمين المتطرف ولا حتى سيد البيت الأبيض الجديد.
خيط رفيع يفصل بين يوسف الصعلوك ويوسف القديس، وهو كذلك على الخشبة، هذا ليس في الموسيقى فقط! خيط رفيع ما بين الضحك والجد، الفرح والحزن، الابتهال والعربدة، أو هو الفنان الذي يحاول أن يقول لنا إن لا شيء بين كل ذلك، إلا الوهم. هي الحياة فقط التي يحاول أن ينقلها لنا على طبيعتها. في عرضه الأخير، كان يقودنا تارة إلى الضحك، وطوراً يسحقنا في قرة من الأسى. تارة يدفعنا إلى الجاذبية لنرقص، وطوراً يرفعنا إلى «النيرفانا» متحررين من الجاذبية. تارة يطوف «بنا حول خمار ليسقينا»، وطوراً نصل معه مبتهلين «بسيد الكونين». هكذا هو «جامع الأضداد» كما أطلق عليه الزميل بيار أبي صعب مرة.
بمقطوعة «أفريقيا الأم»، اختتم عرضه في الـ «أولمبيا» الذي امتلأ عن آخره. بعدما انتهت المقطوعة الأخيرة، ارتجفت القاعة بصراخ وتصفيق جمهوره الباريسي؛ الذي ظل واقفاً حتى صعود عمّال المسرح لتوضيب الخشبة، تلك التي ستشهد بأنّ فناناً استثنائياً وقف هنا وحرَّك الفضاء.