كان | لكلّ دورة من دورات «مهرجان كان» تحفتها المبهرة وسقطاتها المدوية. وشاءت مصادفات البرمجة أن تتزامن عروض الفيلم الأكثر ألقاً وتوهجاً، هذه السنة، مع الفيلم الأكثر خيبة وسطحية.


ففيما أتحفت اليابانية ناعومي كاواسي جمهور الكروازيت، أمس الأربعاء، بفيلمها «نحو النور»، الذي ينضح رقة وشاعرية، خيّب المعلم الفرنسي جاك دوايون الآمال التي عُلّقت على عودته إلى «كان»، للمرّة الأولى منذ عام 1984، إذ جاء فيلمه المقتبس عن سيرة النحات رودان باهتاً وسطحياً.
«لا يوجد ما هو أجمل من شيء ماثل أمامك، لكنك تدرك أنّه على أهبة الزوال»، من هذه الحكمة اليابانية القديمة تنطلق صاحبة «الحباحب» (2000)، لتحقق فيلمها الأكثر اكتمالاً منذ «غابة موغاري» (الجائزة الكبرى ــ «كان» ــ 2007). فيلم يعبق لوعة وشجناً، لكنه يتحدى ألم الفقدان عبر الروح الشاعرية لشخوصه التي تغتنم وتثمن المتع الصغيرة العابرة، بالرغم من المصير التراجيدي الذي يترصد بها.
من خلال رؤيتها الإخراجية المحكمة وبنيتها السردية المتقشّفة، أطلقت كاواسي، التي تتحدر من مدرسة «السينما التأملية» اليابانية العريقة، العنان لموسيقى بصرية آسرة ترافق عبرها شخوص فيلمها (ومشاهديه) من العتمة إلى النور. بطلة الفيلم كاتبة شابة متخصّصة في تأليف التعاليق الوصفية التي تساعد فاقدي البصر على متابعة الأفلام السينمائية. ترتبط عاطفياً بواحد من هؤلاء المكفوفين، الذين تم اختيارهم كعينة تمتحن عليها نصوصها التعليقية، وتكتشف أنه مصوّر شهير مصاب بمرض وراثي يجعله يفقد البصر تدريجياً. من خلال الحب الذي ينشأ بينهما في صمت، ترافق كاميرا كاوزاي المصور الكفيف، خلال الأيام الأخيرة التي يقضيها متقلباً بين العتمة والنور، قبل أن يصاب بالعمى الكامل. وإذا به يكتشف أنّ فقدان الرؤية لا يستطيع أن يأسره في العتمة، لأنّ قلبه العاشق يقوده نحو نور أكثر جمالاً وتوهجاً: نور البصيرة!
في موازاة قصة الحب هذه، تستعيد كاواسي تيمة الفقدان والفجائع العائلية، التي تشكّل لازمة في كافة أعمالها، سواء منها الأفلام الروائية، كباكورتها «سوزاكو» (الكاميرا الذهبية ــ «كان» ــ 1996)، أو رائعتها «هانيزو، روح الجبال» (2011)، أو أعمالها التوثيقية التي حملت بصمات بيوغرافية قوية، حيث عادت فيها على خطى طفولتها المعذبة، وهي التي تخلى عنها والداها عند ولادتها، وتربّت في كنف خالتها في منطقة جبلية نائية وفقيرة («القمر الشاحب» ــ 1993، «رقصة الذكريات أو رسالة شجرة الكرز ذات الأزهار الصفراء» ــ 2002...).
حملت شخصية مؤلفة التعاليق السينمائية في «نحو النور» إحالات بيوغرافية واضحة، من خلال فقدان متعدّد الأشكال الأب (الميت أو الغائب؟) والابن الذي يعيش بعيداً والأم المصابة بالألزهايمر، التي تفقد ذاكرتها وذكرياتها أمام ناظري ابنتها المفجوعة.
كرجع صدى لذلك، احتلت تيمة الفقدان مكانة مركزية أيضاً في «الفيلم داخل الفيلم» (نحن هنا أمام رابع عمل في هذه الدورة يتضمن «فيلماً داخل الفيلم»!)، الذي تقوم البطلة بكتابة تعليقها عليها تمهيداً لعرضه للمكفوفين. ويروي قصة زوج عجوز يرافق زوجته إلى شاطئ البحر، خلال أيامها الأخيرة، وهو يدرك أن فقدانها بات وشيكاً، وينحت لها تمثالاً من الرمل يظهر شامخاً ومتألقاً في المشهد الافتتاحي للفيلم، وينهار في المشهد الختامي، بالتزامن مع لحظة الفقدان الأليمة.
بعد عرض الفيلم، بات روّاد الكروازيت يتساءلون: كيف يمكن أن تفلت «السعفة» من كاواسي ومن تحفتها الشاعرية، ما لم تحدث معجزة خارقة في الأيام الثلاثة المتبقية من عمر هذه الدورة؟
في المقابل، السؤال الذي كان على كل الألسنة بعد عرض «رودان» جاك دوايون هو: كيف أمكن لمخرج من مقام صاحب «غواية إيزابيل» (1985) أن يقتبس من شخصية عبقرية وإشكالية كالنحات رودان بورتريهاً باهتاً ومخيباً على كلّ الصُعد: حتى قصة الحب العاصفة التي جمعته بتلميذته، التي أصبحت غريمته لاحقاً، النحاتة كاميه كلوديل، اختزلها الفيلم في غيرة الأخيرة من «روز»، زوجة رودان!
عشاق الفن السابع، الذين ما زالون يذكرون رائعة برونو نويتن المقتبسة عن سيرة كاميه كلوديل (بطولة إيزابيل عجاني ــ 1988)، يدركون أنّ العلاقة الإشكالية التي ربطتها برودان كانت علاقة ندية ومتحرّرة، لم تكن مشوبة بالغيرة العاطفية، بل مسكونة بثنائية التجاذب والتنافر بين فنانين عملاقين.
اختار دوايون أن يصور فيلمه في الفضاء المغلق للمحترف الذي كان رودان وكلوديل يتقاسمانه. الشيء الذي كان واعداً على الصعيد الدرامي والبصري، في آن معاً. فقد كان بإمكان الفيلم أن يرصد، في عتمة المحترف، تقلبات العلاقة العاصفة التي جمعت بين شخصيتين أشبه بنمرين متوحشين. لكنه، للأسف، ضاع في العتمة، ولم يستطع أن يمسك بتوهجهما كعاشقين لدودين، ولا بعبقريتهما الفنية، حيث قدمهما في صورة باهتة جعلتهما أشبه بنمرين من ورق يتواجهان داخل قفص بارد ومظلم!