بدا المشهد الأوّل من مسلسل «بلاد العز» (إنتاج «مركز بيروت الدولي للإنتاج الفني») مثيراً للاستغراب. يستسلم قائد المقاومة محسن (والمقصود به بوعلي ـ ملحم قاسم أحد أشهر الثوار البقاعيين ويؤدي الدور عمّار شلق) للضابط الفرنسي (بيار داغر). بحسب المشهد، يصوّب جنوده (لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة) أسلحتهم على أطفال القرية ونسائها. المشكلة في المشهد أنَّ قائد المقاومة لم يأتِ وحده، بل كان مع ثلة كبيرة من مقاتليه المسلحين ممتطين خيولهم، أي أنه كان يمكنه قتل الضابط الفرنسي وجنوده وإنقاذ الجميع.


أضف إلى ذلك أنَّ الضابط الفرنسي نفسه، كان يدير ظهره للمقاومين وهم قادمون، وهو أمرٌ يخالف المنطق البسيط، إذ إنّهم يمتلكون بندقيات، ويمكنهم بسهولة قتله، وقتل جنوده بطلقةٍ ولو طائشة، ناهيك عن رمي محسن لبارودته في الهواء قرابة عشرين متراً لأحد رفقائه، حين طلب منه الضابط تسليمه بندقيته باعتبارها رمزاً للشرف ولا تسلّم للأعداء. بدا مشهد البداية نذيراً سيئاً عما سيأتي بعده. ألم يعرف المخرج السوري عاطف كيوان أو كاتب النص محمد النابلسي، أنَّ المشهد الأوّل يتم اختياره عادةً قوياً/ مدهشاً/ مؤثراً لخلق نوع من «الجذب» للجمهور؟


يبرز العادات والتقاليد السائدة
كما رأينا في العرس البعلبكي



يحكي المسلسل حكاية الثوار في منطقة بعلبك - الهرمل وكيفية قيامهم بثوراتهم تلك إبان الاحتلال الفرنسي للمنطقة. وهذه نقطة تحسب للمسلسل بشكلٍ كبير، ذلك أنَّ المنطقة ليست محرومة إنمائياً فحسب، بل هي محرومة فنياً وثقافياً أيضاً، وقلما تحدّث عمل فني عن ثورات تلك المنطقة وتاريخها الذي يمتلك بعداً إنسانياً ومقاوماً كبيراً. نقطةٌ أخرى تحسب للمسلسل هي تناوله للعادات والتقاليد المناطقية (كما في رسمه للعرس البعلبكي)، فضلاً عن سلوكيات وتقاليد أهل المنطقة. أداء الممثلين كان متفاوتاً. بعضهم كان يؤدي بحرفةٍ عالية كالقديرين نعمة بدوي، وأحمد الزين وبيار داغر. وتحسب للمسلسل مرة أخرى أنه أعطى فرصة لبعض الوجوه الجديدة التي أدت بطريقة جيدة مثل راشيل الحسيني، وبتول عبدالله اللتين قدمتا أداء جيداً بالنسبة إلى تجربتهما التلفزيونية الأولى مقارنةً بكثيرات غيرهما أكثر خبرة. على جانبٍ آخر، تبدو القصّة جذابة إلى حدٍ ما، وتمتلك حتى اللحظة، أبعاداً يمكن استغلالها في الحلقات القادمة لتحويل المسلسل إلى «أيقونة» بين المسلسلات التي تروي تاريخ المقاومة في تلك المنطقة.
واحدة من نقاط القوّة عادةً في مسلسلات «مركز بيروت الدولي» هي أغنية شارة البداية التي يكتبها عادةً جواد نصرالله. لكن الشارة هذه المرّة لم تكن في مستوى سابقاتها، إذ لم تمتلك ذات الجذالة والقوة التي ميّزت سابقاتها. بدا النص «كليشيهاً معاداً» عن كل الأغنيات التي تحدثت عن «مدينة الشمس». من جهةٍ أخرى، يجب ملاحظة مجموعة من النقاط التي تعاب على المسلسل، بدايةً من اللهجة البعلبكية التي بدت «ثقيلة» للغاية على لسان الممثلين. بعضهم «مطّها» كثيراً، وآخرون لم يجيدوها بتاتاً، فيما قسمٌ آخر بدا أنه لا يعرف كيف يتحدثها، فلوى لسانه كيفما اتفق. كان من الأفضل الاستعانة بخبير لهجات، كالذي يستعان به في المسلسلات المصرية حين يصورون مسلسلاً صعيدياً، أو سورياً في القرى النائية، أو حتى أميركياً حين يتحدثون بلهجات تكساس وسواها. يمكن أيضاً ملاحظة المشكلة الكبرى في الأداء، خصوصاً مع الأداء الكاريكاتوري لبعض الممثلين ذوي الحركات الكاريكاتورية التي لا تناسب مسلسلاً بهذا الحجم. يسمّى هذا الأداء عادةً comic relief ويستخدم لتخفيف الضغط الذي تخلّفه المشاهد القوية أو العنيفة؛ فلماذا تم استخدامه في الحلقة الأولى؟ لا يمكن لأحد أن يعرف. أمر آخر، يلاحظ استخدام نوع من القنابل اليدوية (أو المقذوفات المتفجّرة) ضد سيارات الفرنسيين العسكرية، فهل كان المقاومون المحليون يمتلكون هذا النوع من الأسلحة آنذاك؟ وهل كانت ترمى بهذا الشكل؟ هذا أيضاً لا ينفي فكرة النقاشات التي تدور بين أهل مجلس المنطقة حيث بدا الحديث أشبه ببرنامج Talk show من العصر الحديث: لا أحد يخطئ في أسماء الفرنسيين (يشار إلى غورو بالاسم)، أحد الحضور يعدد المناطق و «أقضيتها» (يستعمل التعبير بدقة). وبدا مستغرباً بشدة أننا لم نعرف لغة الضباط الفرنسيين: هل هي العربية؟ أم الفرنسية؟ أم العربية المكسّرة؟ فهم نطقوا اللغات/ اللهجات هذه جميعها في المسلسل؛ فهل كان في ذلك حكمة من أي نوع؟
طبعاً في المحصّلة، لا يمكن الحكم على العمل حكماً مبرماً، وهو لمّا يزال في حلقاته الأولى. حتّى اللحظة، يستحق المتابعة نظراً إلى أن القصة جذابة؛ ناهيك عن تاريخ المنطقة التي يتحدّث عنها.

«بلاد العز» 21.30 بتوقيت بيروت على «المنار»