التهاوي يلاحق الدراما السورية هذا الموسم بدءاً من ضعف التسويق، وصولاً إلى حالة الاستسهال في صناعة مسلسل، مروراً بجيش من الدخلاء على المهن التي يفترض أنها إبداعية، وبالمادة المكتوبة التي لا تصلح أن تكون مسلسلاً، وهنا أصل المشكلة! على الرغم من أن النقد هو حالة تبنٍّ للعمل الفني في الدرجة الأولى، ووسيلة دفاع نابعة عن حرص على الصناعة الهامة، ورغبة حقيقية في عودة نشوتها الطارئة التي لم تدم طويلاً، إلا أن اللغة الخشبية ما زالت تسيطر على بعض العاملين في الدراما.


في مواجهة حملة النقد الشرسة التي يطالب بها بعض النقّاد والمهتمين بالدراما السورية، يأتي الرد سريعاً من بعضهم بضرورة تعلّم التصفيق لبعضنا والاتكاء على ثقافة الحب في زمن الحرب، وتجميل البضاعة الرديئة! هذا المنطق البليد والعائم على السطح حدّ السذاجة المفرطة، لا يلتفت إلى تجارب البلدان المريرة التي لم تجد عبر عقود طويلة من الزمن، سوى التصفيق، فلم تحصد غير الكوارث.
لا نعرف بالضبط من اخترع تقسيمات للنقد، البنّاء والهدّام، لكن الأكيد أن هذه المصطلحات انقرضت لدى الدول الرائدة في إنتاج الدراما قبل ردح مديد من الزمن.
يبدو الحديث من قبل الرافضين للنقد عن المعاناة بالنسبة إلى صناع الدراما السورية، كأنه يقارب المبالغة، ويبتعد عن الواقع في الكثير من الأماكن، تحديداً إذا ما قورن العاملون في هذه المهنة، ببقية شرائح الشعب السوري المسحوق، والحديث هنا عمن يشتغل في الشام. أما عندما يتعلّق الموضوع بالأعمال التي تصنع خارج البلد، فيمكن وصف أي حديث عن معاناة، بأنه محض كذب، طالما أن ميزانية مسلسل «أوركيديا» (عدنان العودة وحاتم علي/ قنوات «أبو ظبي») وعلى ذمة بعض العاملين فيه وصلت إلى 5 ملايين دولار أميركي، والنتيجة ــ كما نستشرف من 7 حلقات ــ تتعدى الخيبة بأشواط، على الأقل لتاريخ من يشتغلون به... ربما لو صرف المبلغ ذاته داخل سوريا، أو خارجها على نصوص متماسكة، لأنجزت الشركة ذاتها ثلاثة مسلسلات «نفتح بها العين» أمام الجمهور العربي.
القضية ليست تسويقية فحسب، إنما تتعدى ذلك بأشواط. تنطلق من «ميزانية الهدر» التي يضعها «مدير إنتاج لص» أكثر ما يعنيه كم سيسرق من الميزانية، خاصة إذا كانت الكاميرات تدور في لبنان، وتمر سريعاً على سوريا لتصور أعمالاً مشتركة، ولو ورّطت تلك الميزانيات الوهمية منتجاً يدخل المغامرة للمرة الأولى، ويقفل شركته بعد تجربة يتيمة. هؤلاء بمثابة مرض مستشر، تحتاج الإشارة إلى أسمائهم بثبات ووضوح، وملاحقة ميزانياتهم ووضع حدّ لوقاحة سرقاتهم.
على ضفة مقابلة، يجدر القول بأن أقل ما يمكن أن تواجهه دراما تقصي منذ أربع سنوات كاتباً ببراعة سامر رضوان، هو الانجرار نحو الهاوية. ولا نعرف إن كان يحق لنا السؤال أين عنود خالد مثلاً صاحبة «أولاد القيمرية» و«طالع الفضة» و«حرائر» من الدراما الشامية؟ ولماذا لم تعط فرصة مستحقة لكاتب مثل محمد ماشطة، كنا قد اطلعنا على مجموعة نصوص أنجزها أقل ما يشهد فيها بأنها مادة خام مشجعة؟ ثم هل فكّرت شركة إنتاج داخل أو خارج سوريا باستثمار شراكة رامي حنا وإياد أبو الشامات على صعيد الكتابة مرّة جديدة بعد الإجماع على «غداً نلتقي» (إنتاج كلاكيت - إياد نجّار)؟ تخيلوا أن كاتب «سيرة آل الجلالي» و«المفتاح» الروائي والسيناريست خالد خليفة، لا يتلقى عروضاً للكتابة التلفزيونية هذه الأيام، بينما تنهمر الفرص على «الكاركوزاتية» ومراهقي الكتابة، وأصحاب الفضل بعودة «روايات عبير» إلى الدراما السورية!
باختصار، الكارثة الدرامية السورية التي نشهدها اليوم مرتبطة بـ «ميزانيات الهدر» و«النص الرديء». وربما يتماشى التسويق طرداً، مع نسبة الجودة في الدرجة الأولى!