يختلف عادل إمام هذا العام عن المواسم السابقة. الرجل الذي اعتدنا عليه «زعيماً» في الكوميديا، هبطت أسهمه منذ أن اختار شهر رمضان لإطلاق أعماله (وتحديداً المسلسلات) بعدما اعتاد أن يطلقها (أفلامه في السابق) في الأعياد. هذه المرّة، ربما يحاول الخروج من عباءة الأعوام السابقة.


إذ يحكي مسلسل «عفاريت عدلي علّام» قصّة شخصيةٍ «هامشية» هي عدلي علام تعمل في وزارة الثقافة وتحديداً في مجال الكتب. هو إنسان مثقف يفهم جداً في عالم الكتب، لكنه هامشي إلى الحد الذي جعله يتزوج من امرأة لا تشبهه على الإطلاق (هالة صدقي)، ويقبل استغلاله من شخصيات مشهورة تأخذ مقالاته وترمي له الفتات. هذا الرجل سرعان ما يحصل على كتابٍ يصله بالقوة المطلقة: تسخير «الجن» لخدمته؛ لكن مع هذا يظل على حاله، فـ «أنا راجل مش عايز من الدنيا أي حاجة، أنا عايز أعيش اليومين اللي فاضلينلي وبعد كدا أتكل على الله وأرتاح». يتعرّف عدلي علام إلى الجنّية «سلا» (غادة عادل) التي تعطي المسلسل جواً مختلفاً لناحية جمالية أدائها، فضلاً عن «حلاوتها» (ليس شكلاً فحسب).


يقدّم قراءة للشارع
المصري بطريقة مختلفة


يضاف إلى ذلك ألق نجمة رمضان الفائت (من خلال مسلسل «الأسطورة») مي عمر بدور «ملك». كعادتها، تضيف عمر شيئاً خاصاً للأعمال التي تشارك فيها؛ من دون نسيان أداء نجم رمضان هذا العام محمد ثروت الذي يمكنه التحوّل إلى نجم كبير مع الوقت (يذكرنا كثيراً ببدايات بيومي فؤاد؛ إذ يشارك في أكثر من عمل وكلّها بأدوار لافتة). يضاف إلى هؤلاء الحضور المهم لعادل إمام الذي يعود للمرة الأولى ـ منذ زمن- إلى شخصية «المستضعف/ الهلفوت» الهامشية (وإن كانت ثيابه غير ممزقة هذه المرّة). إنها الشخصية التي بنى عادل إمام عليها شهرته من خلال أفلام دفعته إلى الواجهة مثل «إحنا بتوع الأوتوبيس»، و«حب في الزنزانة» و«الغول»، «الهلفوت» و«أنا اللي قتلت الحنش»... هنا أصبحت شهرة عادل إمام مكتملة وظل محافظاً فيها على «ذات» الشخصية/الكاركتر مع ارتباطه بالشارع المصري من خلال ثيابه (الجينز الأزرق التقليدي الذي لطالما ارتداه في أعماله) ومنطق كلامه (الإفيهات المختصة بالشارع المصري الشعبي) وكذلك سلوكه الذي يتسم بـ «الجدعنة» رغم حياته على الهامش.
في «عفاريت عدلي علّام»، يعود «الزعيم» إلى ذلك الشارع ومنه. هو ليس «ضابط شرطة كبير» ولا «سفيراً» ولا «نصاباً شهيراً». هو شخص عادي، مظلوم، مسحوق، وفوق كل هذا راضٍ ـ بحسب كلامه - بالبقاء في مكانه هذا. حين وصول «سلا» الجنية إلى عدلي علام لتحقيق أمنياته، يكتشف أن لا أحلام لديه، فهو لا يريد شيئاً منها. هي تصدم لأن هذه «المرة الأولى التي يرفض فيها أحد خدماتي».
تقنياً، يعود إمام للتعاون إخراجياً مع ابنه رامي الذي يقّدم تقنيات جميلة في المسلسل ولربما ليست بتقنيات هائلة، لكنها جديدة على التلفزيون المصري، مع تقديم الخوارق التي تقوم بها «سلا»، بشكل خفيف الظل وبسيط وغير معقد. وهذا يحسب للمخرج وطريقة إضافته للتقنيات التي استعانت بها شركة «سكويد للتقنيات البصرية» بشكل جيد. الأمر نفسه ينسحب على الكاتب والسيناريست يوسف معاطي الذي يتعاون معه عادل إمام منذ سنواتٍ. معاطي الذي يعتبر من أفضل كتّاب السيناريو في مصر، يقدّم قصصاً كوميدية في إطار قريب من الشارع، وشخصياته موجودة ولو أتت مضخمة بعض الشيء.
يقدّم «عفاريت عدلي علّام» قراءة للشارع المصري بطريقة مختلفة. إنها الحياة اليومية المعاشة لبطل على الهامش، وزوجته التي تدخل الشعوذة إلى حياتها من خلال الشيخ صادق (أحمد حلاوة) فضلاً عن تواجد شقيقها (محمد ثروت) وزوجته معهما في الشقة بشكلٍ دائم. يعاني البطل من كل شيءٍ حوله: زوجته تحتقر الكتب والعلاقة بينهما مستحيلة، في عمله يجد نفسه مستضعفاً بلا قيمة من مديره في العمل عبدالغني (محمد دسوقي) الوصولي والانتهازي. كل شيءٍ حول البطل يوحي بقلة الأهمية والتأثير، إلى اللحظة التي تصل فيها «سلا» إليه. لكن حتى تلك اللحظة ليست بذات أهمية بالنسبة له لأنه ببساطة «لا يريد شيئاً». إنها المعادلة التي بنى عليها كولن ولسن كتابه «اللامنتمي»، الشخص الذي هو خارج كل شيء، ولا يهمّه أو يعني له شيء. لكن ما يضيفه عادل إمام كالعادة عبر كل شخصياته اللامنتمية، هو الغضب الذي يحصل في لحظة ما، مما يحول تلك الشخصية إلى «بطلة» أو «قائدة» أو حتى «شهيدة».
باختصار، يمكن اعتبار المسلسل محاولة ناجحة ـ حتى اللحظة - لإعادة نجومية «الزعيم» إلى الواجهة، خصوصاً مع قصة جميلة، وممثلين جيدين.
«عفاريت عدلي علام»: 21:00 بتوقيت بيروت على mbc