كان الإسباني خوان غويتيسولو، نموذجاً متفرّداً للكائن الكوني. رحابة إنسانية ومعرفية بلا حدود. لا تضاريس مرسومة لخريطة كتاباته. لعله صورة للمثقف العضوي بحق، أو النسخة المضادة للهويات الضيّقة.


إنه صديق الجغرافيات الملتهبة من البوسنة والشيشان إلى العراق والجزائر، وانتهاءً بفلسطين التي اعتبرها تحت الاحتلال الإسرائيلي «وصمة عار على جبين الإنسانية». مدوّنات مكتوبة بالحبر الساخن في فضح آثار الحروب وقيم الكراهية والضمائر المغيّبة لمصلحة وحشية العالم. ستحضر أولاً همجية فرانكو كندبة في طفولته، وفقدانه أمه إثر عملية قصف بالطائرات لمدينته برشلونة. هكذا سيختار المنفى ملاذاً، في مواجهة التعصّب والاستبداد والانغلاق الحضاري. وإذا به ينبش التاريخ الأندلسي المدفون قسراً، كنوع من حرب إلغاء الأثر الذي مارسته الثقافة الإسبانية تجاه الحضارة الإسلامية.
في باريس عاصمة النور، عمل مستشاراً في «دار غاليمار» (1956)، واحتضن جزائريي المنفى تضامناً مع حرب الجزائر، قبل أن يستقر في مراكش السبعينات التي احتضنته بدفئها وحميميتها ورحابة هوائها. سيرتبط اسمه بساحة جامع الفنا، تلك الساحة العتيقة بعمائرها ومقاهيها الأليفة، بعد تمكّنه من إدراجها لدى منظمة اليونسكو في قائمة التراث الإنساني، وإفشال المشاريع العقارية الحديثة لابتلاع الرائحة القديمة للمكان. وسيصبح لقب «المراكشي» هوية نهائية له، أو هامشاً أصيلاً في مواجهة إخفاقات المركز وطغيانه. اختبر غويتيسولو أنماطاً من الكتابة، وفقاً لثراء تجربته الشخصية وثقافته الشمولية. كانت صحيفة «الباييس» الإسبانية منبراً لمقالاته التي سيجمعها لاحقاً في كتب مستقلة كصورة عن الحدث الآني والمقيم في فضاءٍ واحد، كما في عناوينه «حقل صيد»، و«حدود زجاجية»، و«علامات هوية». كما أنجز عدداً من الروايات المهمة المشغولة بإبرة تطريز تمزج خيوطاً متباينة فوق سجادة واحدة تجمع ثقافتين. في «برزخ» آخر رواياته، سنجد ذلك السرد السحري كخلاصة لفلسفة المعرّي والتخييل العجائبي لسلفه سرفانتس.
هذه الحساسية الخاصة ستضعه في منطقة سردية متوترة، نظراً لمرجعياتها المتعددة، الصوفيّة والفلسفية والتجارب الشخصية الحارّة. استعادة «الآخر» من موقع الإنصاف ثيمة أساسية في كتاباته لجهة الإهمال المقصود، في محاولة دؤوبة لاستعادة موقعه الحقيقي، وتبرير وجوده، وإطاحة ثقافة النبذ والحجب والإقصاء. رحل غويتيسولو متوّجاً بجوائز مرموقة كان آخرها جائزة «سرفانتس» (2014)، أرفع جائزة إسبانية، وقد أهداها لمراكشيي ساحة جامع الفنا.