«مسلسل مشروع فريد، لا تمكن مقارنته درامياً بأي من الأعمال السابقة التي قاربت فظاعات «داعش»». هكذا يصف الممثل التونسي الإيطالي أيمن مبروك «غرابيب سود» الذي أثار جدلاً واسعاً حتى قبل عرضه.


في لقاء مع «الأخبار»، يعترف مبروك أنّه لم يكن يتوقع أن يحقق العمل جماهيرية واسعة، بخاصة أنه يحتوي على جرعة مكثفة من مشاهد العنف، منها اعادة تصوير واقعة ذبح الأقباط المصريين على أحد الشواطئ الليبية، ومشهد حرق الطيار الاردني معاذ الكساسبة. يعلّق: «لقد حققنا مفارقة عجيبة. رغم المنافسة القوية بعد قرار القناة بعرض المسلسل في رمضان، وجدنا أننا حصدنا إهتماماً بالغاً لدى الجمهور. والغريب أن أبرز المتابعين المتحمسين هم من معارضي مضمون «غرابيب سود»».
يسارع مبروك الى سحب خيوط الحوار بإتجاه محدد: «للأسف لقد تم تمييع قضيتنا الفنية بين تناول العمل على أنه أحد أضخم إنتاجات العربية، واتهامه بأنه صنيعة إيران بما أدخل متابعيه من رافضين أو داعمين في دوامة الخلاف التاريخي - السياسي بين السنة والشيعة». هكذا يرى أنّ «غرابيب سود» راح كعمل فني ضحية مضمونه وعنوانه الأسود، واختفى أي موقف أو مقال فني نقدي حقيقي حول السيناريو والإخراج وجهود الممثلين».
لكن كيف تم ترشيح أيمن مبروك لأداء دور «الصديقي»؟ وهل تردد في الإقدام على خوض هذه التجربة رغم المخاطر المحيطة؟ يجيب: «أنا ناشط في مجالي كممثل في ايطاليا، أعمل للمسرح والدراما التلفزيونية والسينما. لكن العرض بالعودة الى الجمهور العربي وتحديداً من بوابة الخليج كشاشة mbc وضمن عمل بهذه الضخامة الإنتاجية، يطرح في مضمونه موضوع الساعة في وطننا العربي، لا يدع مجالاً للتردد. علماً أنّه تناهى الى مسمعي اعتذار العديد من الممثلين والمخرجين عن عدم الدخول في هذا التجربة خوفاً من التهديدات التي قد يتعرضون لها من قبل التنظيم».
يتابع أيمن الكشف عن الوقائع في ما خص تعرّض العاملين في «غرابيب سود» لتهديدات مباشرة من «داعش» في سبيل الضغط لوقف عرضه، قائلاً: «بصراحة، حتى اللحظة، لم أتعرض لأي تهديد، وبرأيي حتى لو حصل، فهذا لا يهمني لأنني كفنان ما زلت مؤمناً بأننا اصحاب رسالة علينا تأديتها. وهذه كانت واحدة من أكبرها بالنسبة الي، وإن أراد أي كان مناقشتي في العمل سواء من الناحية السياسية أو الدينية، فسأقول له إنّ هذا ليس من اختصاصي». ويضيف: «قدّمت في إيطاليا شخصية تاجر السلاح والمخدرات ورئيس المافيا، ولم أتخوف يوماً من التعرض للتهديد أو الملاحقة من قبل المافيا الايطالية، لأني كنت على يقين أنّ رجال المافيا ليسوا بالسذاجة والتفاهة لملاحقة فنان جل ما فعله هو تجسيد شخصية ضمن عمل فني، وهذا برأيي ينطبق على «داعش» رغم تفوقه على كل من سبق ذكرهم في الإجرام والارهاب».


لم أقرأ أي مقال نقدي
حقيقي حول السيناريو والإخراج وجهود الممثلين (أ. م)


وعليه، يبدو أن موضوع التهديدات يحمل وجهتي نظر تقود إحداها الى إمكانية اعتباره تهويلاً وإشاعات لرفع جماهيرية العمل والترويج له. يجيب مبروك: «كلنا سمعنا بتعرض القناة للتهديد بحسب تصريح مديرها العام علي جابر. لكن على حد علمي، لم يتعرض أيّ من الممثلين للتهديد بشكل مباشر، حتى زميلتي الممثلة التونسية فاطمة ناصر (زوجة أمير داعش في المسلسل)، صرّحت بتعرض صفحتها على فايسبوك للإختراق، ولكن لم تصلها أي رسالة تهديد مباشر، بحسب تصريحها الأخير لإذاعة «موزاييك» التونسية».
من خلال هذا التصريح الواضح، أراد بطل مسلسل «الدوامة» الذي يعرض أيضاً خلال الشهر الفضيل على شاشة الوطنية التونسية الأولى، توجيه رسالة لزملائه بعدم التردد في تقديم أدوار مماثلة: «اليوم نرى تحالفاً دولياً ضد «داعش»، لكن المسارات التاريخية كافة، أجمعت على أنّنا لا نقدر على مجابهة القتل بالقتل، والدمار بالدمار. العنف وحده لا يكفي للوقوف في وجه آلة القتل الهمجية المسماة «داعش». لذا أرى في «غرابيب سود» الذي جمع ما يقارب 36 ممثلاً من جنسيات عربية مختلفة، اتحاد فنانين ضد هذا الفكر الارهابي».
مبروك الذي يؤدي في المسلسل شخصية «الصديقي الشاب الفرنسي من أصول تونسية»، يعكس دوافع بعض الشباب المسلم الأوروبي للإنضواء تحت عباءة «غرابيب السود». يعلّق: «هذه الشخصية موجودة بكثرة في التنظيم. وبحسب خبرتي الشخصية، يعيش هؤلاء الشبان على حافة التهميش في أوروبا، وهم في الأصل يترعرعون في بيوت أهاليهم المهاجرين (معظمهم غير متعلمين) من خمسينات أو ستينات القرن الماضي، المتمسكين بالتقاليد العربية كما أصول الدين الحنيف، لكن ضمن قالب الفكر الرجعي، والصديقي خبير المتفجرات واحد منهم. هو مجرم شارد في شوارع باريس. عند دخوله السجن، تم غسل دماغه على يد أحد التابعين لـ «داعش»، ليخرج من سجنه الفرنسي الى مدينة الرقة السورية. لكن الصديقي لم يكتف بذلك، بل اختطف ايضاً صديقته الفرنسية «أودري» التي تجد نفسها في السجن الأسود. هناك، اكتشفت أنّ طريقها للمال والسلطة ورد اعتبارها في وطنها، كان من خلال إشهار اسلامها والانضمام الى التنظيم. نراها لاحقاً تتخلى عن الصديقي نفسه (المخطط الرئيس لعملية «شارلي ايبدو» الإرهابية في فرنسا وتفجيرات لندن) الذي تنتهي حياته في الحلقة 17 إثر غارة لقوات التحالف وتذهب هي خلف أطماعها مع غيره من قادة التنظيم».
«أودري» هي واحدة من النسوة اللواتي يشكلن العنصر الأساس في السياق الدرامي، حيث لكل منهن قصتها وداوفعها للدخول الى غرف «داعش» المغلقة أو حتى الوقوف على جبهات القتال. لا يعير أيمن مبروك إهتماماً للحرب الالكترونية الشعواء التي يشنها المتوترون والمتعصبون على العمل، خصوصاً في ما يتعلق جهاد النكاح. يجيب مبروك: «ألم نرَ «داعش» يبيع السبايا ويفتح أسواقاً للنخاسة وتجارة الرقيق!؟ ولو كان «جناح النكاح» هو كل ما لفت أنظارهم في المسلسل، هذا يعني أنّهم ارادوا أن يغيب عنهم المضمون الحقيقي ومن خيوطه الأساسية تحريف القرآن الكريم، وتجنيد الأطفال، وتجارة الاعضاء البشرية». ويخلص: «أنا كفنان لا تعنيني هذه التداعيات، ما يهمني أن يرى الجمهور الجهد المبذول، وأن تصله رسالتي في عمل فني جمع العرب لتوجيه ضربة توعوية فكرية ضد الإرهاب».