زحمة أعمال لبنانية شهدتها الساحة المحلية في رمضان الحالي. بداية، استبشرنا خيراً بهذا العدد الكبير من المسلسلات مقارنة بالسنوات الماضية، لكن التفاؤل سرعان ما تقلّص مع مرور الأيّام، لأنّ غالبية الأعمال لم ترقَ إلى المستوى المطلوب في أهم سباق درامي سنوي.


من أجواء المافيات وتجارة المخدّرات، يطل علينا مسلسل «بلحظة» (كتابة ندين جابر، وإخراج أسامة الحمد، وإنتاج «الصدى») الذي تعرضه «الجديد». العمل المستوحى من قصص أجنبية (كما يفيد الجينيريك)، يدخل في عالم الثأر، من خلال عائلتي «حرب» و«ديب» النافذتَيْن في شمال لبنان، واللتين تجمعهما علاقة عمل. بهدف الحدّ من الدماء المسفوكة بين الطرفين، يقترح «مير» القرية مبدأ المصاهرة. هكذا، تُجبر «فلك» (روان طحطوح) ابنة آل «حرب» على الزواج من «ماهر» ابن آل ديب. الصبية ترضخ لضغوط ذويها رغم طموحاتها الكبيرة، ورغبتها في إكمال دراستها الجامعية على الأقل. بعد مرور وقت قصير، يتوفى الزوج ووالده في حادث سير، فترغم «فلك» مجدداً على تنفيذ أمر لا تريده. حملها من زواجها الأوّل، يجعلها مسلوبة الإرادة أمام قرار تزويجها من «سيف» (زياد برجي)، الأخ الأصغر لزوجها الذي يصرّ على بقاء الزواج صوَرياً. فهو وافق على الموضوع استجابة لإلحاح والدته المتسلّطة (كارمن لبّس)، و«حفاظاً على مصالح العائلة». يضطر «سيف» إلى نقل حياته من إسبانيا إلى لبنان لتسلّم أعمال عائلته، قبل أن يكتشف أنّها مشبوهة وغارقة في تجارة المخدرات. لكنّ حالة «فلك» المزرية تبدأ بالتحسّن عندما يقرّر زوجها الثاني مساندتها لتحقيق أبسط أحلامها، ويجابه والدته وشقيقته (إلسا زغيب) اللتين تسيئان معاملتها. هنا، تولد مشاعر حب من طرف واحد في نفس الشابة التي رأت في «سيف» حامياً وسنداً لها، وفقدت طفلها بعد مشاكل في الحمل. على صعيد موازٍ، هناك «نايا» (سينتيا خليفة) الناجحة التي وقعت ضحية صدمة كبيرة بعد اكتشاف خيانة صديقتها لها مع خطبيها قبل أيّام من موعد الزفاف. الموقف القاسي يدفع الصبية إلى التخلّي عن مبدأ أساسي بالنسبة إليها، وهو عدم إقامة علاقة جنسية خارج الزواج. تذهب «نايا» إلى حانة وتسكر، لتجد نفسها في اليوم التالي في فراش «سيف» الذي لا تعرفه.


ينهل العمل من أجواء
المافيات وتجارة المخدرات
لا يمضي الكثير من الوقت قبل أن تغرم المرأة بالشاب الذي يبادلها الشعور نفسه، لكنّه لم يخبرها حتى كتابة هذه السطور بزواجه ولم يعرّفها على عائلته التي ترسم حولها علامات استفهام عدّة. يقع «سيف» في حيرة كبيرة تبعده عن حبيبته، بينما الأخيرة تعاني مع ظنونها، خصوصاً أنّها تشعر بأنّه يخفي عنها أمراً مهمّاً.
حسب الأرقام التي أصدرتها «إيبسوس» وGFK، لا يحتل «بلحظة» مراتب متقدّمة على المحطات اللبنانية. «إيبسوس» أفادت بأنّه بين 27 أيّار (مايو) الماضي و12 حزيران (يونيو) الحالي، حلّ المسلسل في المركز التاسع بحصوله على 5,5 في المئة، فيما أكدت GFK أنّه نال المرتبة السابعة بحصوله على 6,72 في المئة بين 3 و9 حزيران.
لا يمكن القول إنّ العمل سيّئ، لكنّه ليس مميّزاً كذلك، فكل ما فيه يصبّ في «الخانة الآمنة»، من القصة والحبكة وتطوّر الأحداث التي تفتقد التشويق الكافي إلى أداء الممثلين الذين يضاف إليهم أيضاً يوسف حداد، وفيفيان أنطونيوس، ومجدي مشموشي، ومي سحاب، ونيكولا مزهر، ونتاشا شوفاني.
يركّز زياد برجي أخيراً على التمثيل، وقد شاهدناه قبل فترة في فيلم «بغمضة عين». قاعدة برجي الجماهيرية لا يستهان بها، وقد أحبّته جداً في الأدوار الخفيفة والكوميدية كما في هذا الشريط أو في مسلسل «حلوة وكذّابة» وفي فيلم «حلوة كتير وكذّابة». وهذه الأعمال تحمل توقيع المخرج السوري سيف الشيخ نجيب. لكنّ صاحب أغنية «حبيبي وينو» لم يقدّم ما يلفت الانتباه في هذا العمل، فيما رأينا سينتيا خليفة كما نعهدها ممثلّة جيّدة قادرة على إيصال الشخصية بصدق ومن دون افتعال. أما كارمن لبّس فمحترفة كالعادة، تمكنت من إقناعنا بجبروتها وبأنّها «العرّابة» التي تتحّكم في مصائر الجميع، خصوصاً «فلك» التي تصوّرها روان طحطوح بكل ما فيها من انهزامية وتسليم، ورغبة خجولة في التمرّد. وإن كانت لبّس تذكّرنا إلى حدّ ما بمنى واصف في مسلسل «الهيبة» (كتابة هوزان عكو، إخراج سامر البرقاوي)، إلا أنّ الأكيد أنّ هذا النوع من الأدوار بات مستهلكاً ومكروراً. وتجدر الإشارة إلى أنّ فيفيان أنطونيوس لا تحتاج إلى بذل الكثير من الجهد لأداء دور «فاتن» غير الرئيسي في المسلسل، خصوصاً أنّها صاحبة أدوار البطولة في منتصف التسعينيات وبداية الألفية الجديدة.
وفيما تتطابق الخطوط العريضة لـ«بلحظة» مع المسلسل التركي «عشق وجزاء» (2010) من بطولة نورغول يشلشاي ومراد يلدريم ضمن صيغة ملبننة، قد يكون العمل في النهاية لطيفاً للمشاهدة بعد يوم عمل طويل، لكن ليس في ظل السباق الرمضاني الذي لا يرحم!

«بلحظة»: 21:30 بتوقيت بيروت على «الجديد»