عندما بادرت فرنسا عام 1982، إلى تحديد تاريخ 21 حزيران (يونيو) ليكون عيداً سنوياً للموسيقى، كنا في حالة حروب صغيرة واجتياح إسرائيلي وهموم كثيرة. بعدها، دخلنا في حالة إعادة إعمار كبيرة وأوهام مثيرة.


في الحالتَين، لم يكن العيد ممكناً على أرضنا. منذ عام 1982، راحت مدنٌ عدة تتبنّى هذه التظاهرة الفنية، حتى بلغ عدد بلدان «نادي» عيد الموسيقى أكثر من 100. نحن انضممنا إلى اللائحة عام 2001.
إذاً، فرنسا هي صاحبة الفكرة. حسناً، لكن ثمة أسئلة طالما وددنا طرحها: لماذا ينظّم عيد الموسيقى في لبنان «المعهد الفرنسي» (كان اسمه في السابق «المركز الثقافي الفرنسي») والسفارة الفرنسية، بالتعاون تارةً مع «سوليدير»، وتارةً أخرى مع وزارتَي الثقافة والسياحة (كما هي الحالة هذه السنة)؟ هل ما زلنا تحت الانتداب الفرنسي؟ ألا يوجد جهة رسمية (أو خاصة، لكن بتكليفٍ رسمي) تستطيع تنظيم عيد الموسيقى؟ فرنسا هي مؤسِّسة العيد، وهذا لا ننكره. قد تكون جهاتها التمثيلية في لبنان هي التي اقترحت إدراج العيد على روزنامتنا، وهذا جيّد وأيضاً لا ننكره. كان بإمكانها تنظيم الدورة الأولى، كدلالة رمزية على فضلها في العيد عالمياً محلياً، وهذا طبيعي. لكن لماذا ما زالت فرنسا تنظم عيد الموسيقى في لبنان بعد 17 عاماً؟! هل نحن مستعمرة فرنسية؟ لو حصل أنها مرجعٌ في الموسيقى والذائقة الموسيقية عالمياً وتاريخياً، لما تذمّرنا (راجعوا رأي موزار بالذائقة الموسيقية الفرنسية)! السبب التخفيفي الممكن والوحيد في هذه المسألة هو الفرصة التي يتيحها «تلزيم» العيد للفرنسيين لدعوة فرق وأسماء فرنسية (أو أوروبية) مرموقة. لكن حتى هذا الباب لا يعود علينا بالفائدة إلا نادراً. على سبيل المثال، «أهدانا» المنظمون السنة الماضية فرقة فرنسية معدومة (بعض الفرق المحلية الهاوية تتخطاها قيمةً بأشواط) بينما تم تناول زيارتها المرتقبة في البيان الصحافي على شكل إنجاز عظيم. بناءً على ذلك، لتتحمّل الوزارات المعنية مسؤولياتها، وعلى الأقل، إن لم تكن مؤهلة لتنظيم عيد الموسيقى، فلتفتح المجال لجميع السفارات الأجنبية في لبنان ومراكزها الثقافية (إيطاليا، البرازيل، أسبانيا، ألمانيا،…) لتولّي احتفالاتنا بالعيد مداورةً في ما بينها. وكلّما عاد الدور إلى فرنسا، سنتذكّر دائماً أنها هي صاحبة العيد، لا مشكلة.


مشاركة ملفتة لـ «مهرجان البستان» عبر تنظيم أمسية لعازف البيانو الموهوب كريم سعيد

إذاً، للسنة الـ17 على التوالي، يحتفل لبنان بعيد الموسيقى في الوسط التجاري لعاصمته وفي بعض الشوارع القريبة منه (كما في عدد من المناطق خارج بيروت). على صعيد الشكل والجزء الأكبر من المضمون، لا شيء تغيّر هذا العام. تبدأ الاحتفالات عند الثانية بعد الظهر (راديو بيروت/ مار مخايل) وتستمر لغاية فجر غدٍ في بعض الأماكن. كالعادة، معظم الفرق المشاركة محلية، تقدّم أنماطاً مختلفة وشاملة لكل الألوان لتلبي الأذواق الموسيقية كافة. النقاط الأساسية للاحتفالات في الوسط التجاري انحصرت هذه المرة بالحمامات الرومانية (يطغى الجاز والفانك والسول والأنغام اللاتينية) وخليج الزيتونة (روك، أغنية فرنسية، موسيقى شرقية، بلوز…)، في حين جرى التركيز على شارع الجميزة وامتداده الشمالي (مار مخايل)، عند نقاط عدّة، منها في الهواء الطلق (درج مار نقولا، وقرب مركز البريد وغيرهما) ومنها في أماكن سهر معروفة (The Back Door، راديو بيروت، Bottoms Up…) وهنا تطغى الأنماط الشبابية مثل الروك والبوب والفولك والإلكترونيك والهيب-هوب… للكرنتينا (Grand Factory) حصة في عيد الموسيقى حيث تبدأ السهرة عند الثامنة مساءً وتستمر حتى الفجر، وتجمع صنّاع الموسيقى الإلكترونية الراقصة ومنسّقي الأغاني (DJ’s). أما الموسيقى الكلاسيكية، فتتوزّع بين كنيسة مار الياس (6:00) والكنيسة الإنجيلية (7:30) وقاعة بيار أبو خاطر (6:00)… بالإضافة إلى المشاركة الملفتة لـ «مهرجان البستان» بعيد الموسيقى عبر تنظيم أمسية لعازف البيانو الفلسطيني الأردني الموهوب كريم سعيد (8:00 / فندق البستان) الذي زار لبنان السنة الماضية مقدماً تحفة باخ «تنويعات غولدبرغ». إنها الأمسية الأكثر جدّية في العيد (ليس في فئتها فحسب، بل عموماً)، وفيها يؤدي سعيد برنامجاً شديد التنوّع، إذ يبدأ بويليام بيرد (مؤلف إنكليزي من عصر النهضة) وينتهي بتورو تاكيميتسو (مؤلف ياباني من القرن العشرين) مروراً ببيتهوفن وشوبان.

عيد الموسيقى: بدءاً من بعد ظهر اليوم ــ أماكن مختلفة من بيروت