نجَحَ مسلسل «لستُ جارية» (كتابة فتح الله عمر، وإخراج ناجي طعمي، بطولة كندة حنا، عبدالمنعم عمايري، إمارات رزق، مجد حنا، رشا بلال، يامن سليمان ــ إنتاج «سيريانا» و«الفارس»)، في إثارة الجدل باكراً في دمشق («سوريا دراما» ــــ «الجديد») كأحد الأعمال السورية الخالصة هذا الموسم، مستفيداً من تأجيل عرض العديد من الأعمال المنافسة وترحيلها إلى ما بعد رمضان.


أما في لبنان، فقد تأثر العمل كما بقية برامج «الجديد» بالحجب المفروض على القناة، وبعدم تطعيمه بممثلين لبنانيين كما جرت العادة في الفترة الأخيرة. حكاية العمل الأساسيَّة تدور حول المهندس غالب (عبد المنعم عمايري) الذي يتزوَّج من ابنة خاله ميس (كندة حنا) بعد قصّة حبّ جميلة. يكتشف في الليلة الأولى أنَّها تعرَّضت في طفولتها لاعتداء جنسيّ أفقدها عذريَّتها. تنبت في صدره فجأة كلّ عقد المجتمع الذكوري وتتآكله الشكوك ويمضي ليلة كاملة في استجوابها بنزق، قبل أن يقرّر إخفاء الأمر خوفاً على سمعته، ومواصلة حياتهما المشتركة بصفتها جارية لديه لا زوجة له، ولا تملك الزوجة المسكينة إلا الموافقة طمعاً بعودة الأمور إلى سابق عهدها قريباً، وخوفاً من «فضيحة» لا ذنب لها فيها، ومن عقاب والدها دحَّام (عبد الهادي الصباغ) شديد القسوة. الانتقادات التي وُجِّهَت إلى المسلسل تمحوَرت حول ما يرى النقاد أنَّه تكريس لا واعٍ لفكرة ربط مفهوم الشرف بعذريّة المرأة، واستحضار هذه الفكرة البالية التي يفترض أنَّ الزمن عفا عنها، وحشرها في عمل درامي معاصر.


تكريس لا واعٍ لفكرة ربط مفهوم الشرف بعذريّة المرأة؟

لكن فتح الله عمر، الذي يمتلك «معجماً دراميَّاً» يدوّن فيه كل ما يسمعه ويراه من حكايات حقيقيَّة ليستعين بها لاحقاً في خلق شخوصه ورسم خطوط أعماله، يؤكد أنَّ جميع شخصيات «لست جارية» بشر حقيقيّون من لحم ودم، موضحاً أنَّ ما فعله هو جمع حكاياتهم الكثيرة في حكاية واحدة مترابطة ومشوّقة. صاحب «درب الياسمين» لم يحِد إذاً عن الخط الذي انتهجه في «الغالبون» الذي استقى أحداثه من حكايات شهداء المقاومة (أحمد قصير، رضا حريري، وعلي سليمان...) ليصنع عملاً رائداً يؤرّخ لمسيرة هذه المقاومة.
في ردّ على تهمة استحضار الأفكار البالية، يرى صاحب «وراء الوجوه» أنَّ «شفاءنا بواسطة مستحضر طبي معيّن لا يشترط إلمامنا بتركيبته وماهية «المادة الفعالة» المسؤولة عن الشفاء والمخفية في الوقت نفسه، والمصهورة في سواغ مناسب يستسيغه الإنسان. وكذلك العمل الفني قد يقودنا إلى التعافي من أفكار مريضة محدثاً ذلك التأثير الإيجابي في قناعاتنا، من دون أن نشعر بذلك بالضرورة، لانشغالنا عنه بالتشويق والمتعة المقدَّمة لنا، ولا ينبغي أن يخدعنا من يقول بأنَّ فائدة الفكرة لا تصل إلى الجمهور ما لم تكن ظاهرة مباشرة، فهو تماماً كمن يقول إنَّ الدواء لا يشفي المريض ما لم تكن المادَّة الفعالة ظاهرة فيه». يعتبر الكاتب أنَّ حكاية الثنائي غالب وميس التي يقوم عليها العمل هي هذه المادَّة الفعالة أو «رسالة العمل ومقولته الفلسفيَّة». رسالة مفادها «من الغباء أن تدمّر حاضرك ومستقبلك بسبب الماضي». والرسالة غير محصورة بـ «غشاء البكارة» كما قد يفهم المُشاهِد للوهلة الأولى، بل تتخطاه إلى عيش أمّة بكاملها في الماضي مجدَّدة كلّ يوم صراعاً عمره 1400 عام، ومنتجةً نماذج ليس «داعش» سوى أحدث نسخة منها.
يؤكد كاتب سباعيّة «للعدالة كلمة أخيرة» أنَّ مشكلتنا بالأساس، هي في تلك المحاولات المستميتة لإعادة إحياء أمجاد الماضي، من دون توافر أيّ أمل حقيقي في عودة هذه الأمجاد لأنها ـ ببساطة - لم تكن موجودة يوماً سوى في أوهامنا. يرى أنَّ طريق الخلاص لبطليه غالب وميس يراوح بين اثنتين: «إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان». أما ما بيننا وبين هذا الإرث الثقيل، فهو ينحصر حتماً في العبارة الثانية!
كيف سيتصرَّف غالب مع زوجته ميس بعد ولادتها لطفلتهما الأولى «حنان»، وبعد زواجه الثاني من قمر (مديحة كنيفاتي) التي أذاقته الويل واستنزفته ماديَّاً من دون رحمة؟ وإلى أين سيصل دحَّام الذي يحترف تدبير المكائد وإطلاق الإشاعات في كل اتجاه، مرَّة بحق أطباء المحلة لضمان نجاح نجله نورس (يزن خليل) الطبيب المتخرَّج حديثاً في اكتساب المزيد من الزبائن، ومرَّة بحق امرأة مطلقة أحبَّها نورس وأراد الاقتران بها (تولين البكري)، ومرَّة بحق جاره بشيّر مهران (أحمد رافع) وأولاده لرفض الأخير الإدلاء بشهادة كاذبة لصالحه في المحكمة؟ وهل سينجو فؤاد والد غالب (زهير رمضان) من حكم الإعدام بعد اتهامه ظلماً مع زوجته الثانية إلهام (سوسن ميخائيل) بقتل زوجته الثالثة روعة (إمارات رزق) التي تم تهريبها إلى لبنان لاتهام فؤاد بقتلها بمكيدة أخرى من دحَّام نفسه؟
يمكن قول الكثير عن «لست جارية»، لكن في انتظار عرض حلقته الأخيرة، لا يمكننا سوى الاعتراف بقدرة فتح الله عمر - بأسلوبه «الهيتشكوكي» - على حبس أنفاسنا مجدَّداً.

«لست جارية»: 16:00 على «سوريا دراما»
16:50 على «الجديد»