ذات رمضان، عرض عليّ أبي أن أشاهد مسلسل «أرابيسك» بدلاً من «ألف ليلة وليلة». كنت طفلاً عنيداً، وصممت أنّ الثاني هو الأفضل، وقرّرت أن أؤكد وجهة نظري، وأثبت صحتها، فبدأت في مشاهدة المسلسلين كي أبيّن له الفارق بينهما. انتهى الأمر بأنني تابعت «أرابيسك» حتى مشهد هدم الفيلا الذي لم أفهمه حينها. شاهدته كما شاهده جل المصريين، ووقعت مثلهم في حب حسن النعماني، وأنوار، والأسطى عمارة، وتوقفت عن مشاهدة «ألف ليلة وليلة».


قبلها بأعوام، التف الجميع حول «ليالي الحلمية» و«المال والبنون» و«رأفت الهجان». كانت سمة رمضانية أساسية أن ينتخب الجمهور بعد بداية شهر الصوم بأيام مسلسله الرسمي ليتابعه معظم أفراد العائلة، كما تجمعت في سنوات تالية أمام مسلسلات أقل قيمة وأكثر خفة مثل «حمادة عزو» أو «عباس الأبيض» أو «الحاج متولي». إلا أنّ تلك الظاهرة تراجعت في الأعوام الأخيرة، بعدما زادت الفجوة بين الطبقات، واتسعت الهوة بين الأجيال والثقافات المختلفة. وهو ما انعكس أيضاً على الفقرات الإعلانية، فلم يعد هناك مسلسل واحد قادر على كسب الأغلبية.


الحلقة الثانية بدت كمرثية
مؤلمة لـ «ثورة يناير» أوّلاً
ثم لـ «ثورة عرابي»

في العام الماضي، تبيّن هذا الوضع الجديد في أوضح صورة حين اجتمع من نطلق عليهم تجاوزاً الطبقات الشعبية حول مسلسل «الأسطورة» (تأليف محمد عبدالمعطي، وإخراج حمد سامي)، واجتذب «غراند أوتيل» (تأليف تامر حبيب، وإخراج محمد شاكر خضير) جزءاً كبيراً من الطبقة المتوسطة وفوق المتوسطة، بينما حظي «أفراح القبة» (ﺗﺄﻟﻴﻒ نجيب محفوظ، وسيناريو وحوار نشوى زايد، وﺇﺧﺮاﺝ محمد ياسين) بحفاوة واسعة ومستحقة لكنّها نخبوية، مما فتح الباب لإنتاج أعمال أكثر فنية وتجريبية في مخاطبة هذا القطاع من الجمهور... فكان «واحة الغروب» (سيناريو وحوار مريم نعوم، وهالة الزغندي عن رواية لبهاء طاهر بالعنوان نفسه، وإخراج كاملة أبو ذكرى).
أكثر من عشرة أعوام فصلت بين ترجمة بهاء طاهر لرواية البرازيلي باولو كويلو «الخيميائي» تحت اسم «ساحر الصحراء»، وبين صدور روايته «واحة الغروب» التي فازت بـ «جائزة بوكر العربية» في عام 2008. إلا أنّك قد تلمح أثراً ما لفكرة الرحلة التي أدمنها كويلو برواياته، والتي تكشف عن نفوسنا وحقيقتنا حتى نخرج منها ونحن أناس آخرون.
التزمت كل من مريم نعوم وهالة الزغداني بالنص الروائى، ونقلتا بأمانة زائدة رحلة الضابط الشرقي «محمود عبد الظاهر» (خالد النبوي) وزوجته الايرلندية المولعة بالآثار «كاثرين» (منّة شلبي) إلى واحة سيوة المنعزلة، حيث يبدآان في اكتشاف نفسَيْهما من جديد، وإعادة تقييم علاقتهما... علاقة الشرق بالغرب، ليكتشفا أنّ انبهارهما الأوّل، أحدهما بالآخر لم يكن كافياً، فهما لا يطيقان العيش سوياً. ظل «محمود» يتوق إلى حبّه الأوّل، جاريته التائهة «نعمة» (مها نصّار)، وبقي مسكوناً بها. وفي المقابل، زادت الفجوة بينه وبين «كاثرين» المفتونة بأجداده وحضارتهم، مما قادها إلى القيام برحلات وراء آثار الإسكندر وآمون، وإلى حب «محمود» لأنّه الحفيد الذي لا يهتم إلا بحاضره، ولا يسكنه إلا ماضيه القريب.
وصل التزام الكاتبتين بالنص الروائي إلى حد الاستعانة بجمل ومقتطفات منه على شكل مونولوجات على لسان الشخصيات الرئيسية للتعبير عن الصراعات التي تعتمل بصدورهم لأن أغلب أزمات الأبطال نفسية وداخلية. بعض جمل الرواية جذابة فعلاً، ستغري أي سيناريست ذي حسّ فنّي باستغلالها، مثل تلك الجملة التي جاءت على لسان الإسكندر الأكبر في النص الأصلي ولكنّها نُقلت إلى لسان «الشيخ صابر» (كبير أهل الواحة الشرقيين ــ رشدي الشامي) في المسلسل: «الخوف لا الحكمة هو أساس المُلك. لا بد من إخافة العامّة دائماً بالعقاب والعذاب، على الأرض وفي السماء، لكي يعرفوا الطاعة والاستقامة، يجب على الحاكم ألا يسمح للعامّة بالحرية أو بالمتعة»، في إشارة لا يفوّتها سيناريست واع بُغية التعبير عن الأيام التي تعيشها مصر حالياً.
والسؤال الآن: هل كثرة المونولوجات الروائية كانت أفضل طريقة للوصول إلى أعماق الشخصيات؟ لقد نجح المسلسل في تمثيل الصراع الحضاري، بين المصري والايرلندية، وبين كل منهما وأهل الواحة، واستطاع نقل ذلك الصراع بوضوح ويسر إلى صدارة العمل. لكن أما كان من الممكن للدراما أن تلعب دوراً أكبر في التعبير عن أزماتهم ولو عن طريق خيانة الرواية؟
أحببت المونولوجات على أي حال، بفضل طاقم التمثيل الذي تم انتقاؤه بمهارة فائقة، وبسبب ما يصاحبها من متعة بصرية، إذ قدّمت كاملة أبو ذكرى لوحات بديعة، استغلت فيها الصحراء والمساحات المفتوحة في رسم كادرات فنية وصور تشكيلية فاتنة. منذ الحلقات الأولى، وبالنظر إلى خالد النبوي فى دور الصاغ «محمود عبد الظاهر» المتعاطف مع الثورة العرابية (1879 ــ 1882)، استدعت ذاكرتي الصاغ «حمزة الحلواني» الذي اقترب من أحمد عرابي (1841 ــ 1911) في أواخر عهد الخديوي إسماعيل. 25 عاماً كانت كافية لتغيير بعض ملامح النبوي. فقد صارت أكثر حدّة، وبتقاسيم منحوتة، فباتت هيئته مناسبة لشخصية «محمود»، بتناقضاته وتقلّباته وانكساراته التي تركت آثارها على وجهه. هذه النوعية من الشخصيات تجذب النبوي، منذ دوره في فيلم «إسماعيلية رايح جاي» (1997 ــ إخراج كريم ضياء الدين) ومسلسل «رجل طموح» (2000 ــ إخراج صفوت القشيري)، مروراً بـ «داود باشا» في «حديث الصباح والمساء» (2001 ــ إخراج أحمد صقر). تلك الشخصيات غير المثالية التي قد تقع في فعل لا أخلاقي كريه، إلا أنّه يورّطك في التعاطف معها إنسانياً.
نشر بهاء طاهر روايته قبيل «ثورة يناير» العام 2011، إلا أنّ مريم نعوم وشريكها في كتابة الحلقات الأولى أحمد بدوي استغلّا مشاركة «محمود» في الثورة العرابية، ليربطا بين هزيمة عرابي أمام الخديوي وأعوانه الإنكليز من جهة، وبين انكسار «ثورة يناير» أمام الخديوي وأعوانه الجدد من جهة أخرى من دون فجاجة أو افتعال. ففردا لأحداث الثورة، والخيانة، والخوف، والانهزام مساحة واسعة، بدا فيها الصاغ «محمود عبد الظاهر» معبّراً عن حالنا، خصوصاً في الحلقة الثانية التي بدت كمرثية مؤلمة لـ «ثورة يناير» أوّلاً ثم لـ «ثورة عرابي». يقول محمود على لساننا: «عرابي بقى خاين والثورة بقت هوجة والثوار خونة... ليه «خنفس» ابن الكلب اللي اتسبب في أزمتنا يعيش، و«عبيد» اللي انصهر تحت مدفعه من سخونته يموت؟»
* كاتب وروائي مصري

*«واحة الغروب»: يومياً ــ الثامنة مساءً بتوقيت بيروت على dmc والعاشرة مساءً على «دبي»