البروباغندا التي أثارها مسلسل «قناديل العشاق» (خلدون قتلان ــ سيف الدين السبيعي ـ إنتاج «سما الفن» - «الجديد»، «سما»، «حواس»، «روتانا خليجية») والبلبلة التي رافقت دخول بطلته سيرين عبد النور إلى سوريا، جعلتنا نعتقد بأننا سنشاهد ملحمة عاطفية استمات فريقها لإدخال نجمتها إلى سوريا، لأنها لا تعوّض وليس لها بديل، بعدما فقد العمل بطله الأساسي قيس الشيخ نجيب بسبب عدم منحه إذناً نقابياً للشغل في الشام.


ربما هذا ما أضرّ بالمسلسل الذي جرّب تقديم حكاية حب شامية هادئة، تنأى بنفسها عن الصورة التقليدية المعروفة عن قصص الحب. لكنّ صاحبها أغفل شرط العرض الرمضاني الذي يعرف سلفاً أنه سينافَس ضمنه. والمشاهد الملول أصلاً يملك مئات الخيارات البديلة، ولن ينتظر ويجلد نفسه بفلاشباكات باردة رتيبة، وتمهيد أطول من أحداث الحكاية نفسها. إذ مرّت أكثر من عشر حلقات حتى التقى البطل بفتاته بطريقة عادية معافية من عناصر الجذب اللازمة رغم أن سكان دمشق وجبل لبنان جميعهم مع رجالات الاحتلال وقعوا في غرامها!
على أي حال، تمكّن المسلسل من تحقيق أعتى أهدافه بالنسبة إلى هذا الظرف القاهر، من خلال حجم تسويق ممتاز، وصل إلى ما يقارب 15 محطة 6 منها مصرية، ويحسب له أنه استقدم عناصر لبنانية على مستوى التمثيل (سيرين عبد النور ورفيق علي أحمد) إلى دمشق. رافقت تصوير العمل شروط أمنية صعبة لدى اندلاع معارك حي جوبر الأخيرة، إضافة إلى مطبات إنتاجية عديدة، وتأخر وصول بطلة المسلسل، ثم التوقف المستمر عن الشغل بدواع إنتاجية. كل ذلك جعل التصوير يستمر في ظروف أبعد ما تكون عن الظروف الصحية لما بعد 20 رمضان، فيما لا تزال العمليات الفنية جارية حتى الآن لإنهاء الحلقات الأخيرة، التي ترسل أولاً بأول إلى المحطات.
السرعة في الإنجاز أوقعت الشركة المنتجة في خطأ تقني بالغ الخطورة بعد خفض دقة المواد، لإمكانية إرسالها عبر الانترنت، ما أثرّ على جودة الصورة بل عطبها بشكل كبير، رغم أن صاحب «الحصرم الشامي» أحاط نفسه بقدرات شبابية هي الأهم سورياً على مستوى الإضاءة والتصوير (يزن شربتجي وعباس شرف). وريثما تمكن من حلّ المشكلة، مضى أربع حلقات، حتى عادت جودة الصورة إلى السوية الملفتة التي عهدها المتابع من الفريق الفني المتماسك.


كاريزما ووقار صاغهما
رفيق علي أحمد بحضوره


يقترح المسلسل قصة حب لمغنية تهرب مكلومة بعد قتل زوجها وطفلها ودفاعها عن نفسها بقتل أحد الأغوات، مع عتّال يمتلك قوة بدنية خارقة دفعته ظروفه لاصطياد عسكر الاحتلال العثماني حتى تحوّل إلى ظاهرة أسطورية سميّت «سلطان الليل». بالاتكاء على السياق التاريخي، يصنع العمل نفسه من قصة حب افتراضية، من دون تحريف، أو تزوير، أو تصد تشويهي للتاريخ. محمود نصر الخارج في العام الماضي من «الندم» (حسن سامي يوسف والليث حجو) بنقلة نوعية في حياته المهنية، ما زال متأثراً بما قدّمه هناك. لم يغب عنه حسّ الفيلسوف ولا الشاعر. حتى ردّات فعله وابتساماته العميقة، ونظرات عيونه الشاردة، تشي بأنه قرأ كانط قبل أن يعارك الإنكشاري، وابتلع مكتبة من أمهات الشعر والأدب قبل أن يعشق إيف، وشاهد روائع شكسبير الخالدة دفعة واحدة إثر لقائه بزعيم الشاغور الذي يجسده رفيق علي أحمد. الأخير تعرّض لحملة سطحية من الانتقادات لعدم إجادته اللهجة. تناست تلك الانتقادات تاريخ الرجل الحافل في التنوع المسرحي، وحضوره الخاص في مختلف الأعمال المصرية والسورية اللامعة، وأنه يحل هنا في جدّة كلية على تاريخه الطويل. لم يلتفت أصحاب الهجمة الجوفاء إلى الكاريزما والوقار اللذين يصوغهما نجم «الزير سالم» بحضوره. كأن أنطونيو بانديرس كان يجيد الإنكليزية واللكنة الأميركية بطلاقة عندما اقتحم هوليود! لذا لم ينتبه أحد إلى أن أداء صاحب مسرحية «وحشة» هو أحد الملامح المتألقة في العمل، لأنه يخوض تحدياً كبيراً سبق أن فشل فيه كثيرون غيره، ويضع قدمه في مكان جديد عليه. هكذا، تبدو خطواته مشوبة بالحذر والقلق اللذين ينبغي أن يرافقا كلّ من يشتغل بمهنة إبداعية. ولو خضنا أكثر في الجوانب المشرقة من هذا المسلسل، لتوقفّنا عند اللوحات الاستعراضية الغنائية التي قدّمتها ايف اليهودية (سيرين عبد النور) وفرقتها النسوية ومعهما عازف العود والمغني نغم (مصطفى سعد الدين) لمجموعة كتبها قتلان بطريقة تتماشى مع الفولكلور والتراث الدمشقي، ولحّنها طاهر مامللي. هنا، أكلت المغنية السورية سارة قرح الأجواء، بدون خبرة ولا حتى جهد يذكر على سوية الأداء. تسحب فرح البساط بمجرد أن تغنّي. الصبية السورية تملك حنجرة مطعّمة بذهب الزمن الجميل. على محور آخر، يعطي رامز أسود وسوسن أبو عفّار بعداً جمالياً لدوريهما، وهما يؤديان مشاهد الفقر الساحق. أيضاً، يكشف غسان عزب عن براعة في لغة الجسد والاقتراح المتوازن لدور الضرير. هكذا، كانت الفرصة أمام صاحب «طالع الفضة» أن يبتكر بعض الحلول الإخراجية البسيطة والجديدة. كأن نشاهد «ديب العتال» (محمود نصر) يتذكر ولادته وكيف سماه أبوه، وهو نفسه يتابع هذه المشاهد. ورغم الفلاشباكات المرهقة للحكاية، تمكّن السبيعي من تخليص المتابع من ثقلها، من دون أن يتخلص الورق من رتابته. إذ تختلف عامة هيكلية البناء الدرامي لفيلم تلفزيوني مثلاً، عن القواعد التي تضبط صناعة مسلسل ثلاثيني. في الحالة الثانية ووفق شرط عرض مهرجاني، يحتاج العمل إلى حبكات متتالية، وتفاصيل أكثر غنى تراكم جرعة التشويق، وتتمكن من الاحتفاظ بالمشاهد منذ اللحظات الأولى. أما التجريب بداعي الخروج عن السائد، فإنه لا يعطي الحق بتغييب التصعيد اللازم، وخلق الذروات المتتالية وإنجاز الاستمالة الجماهيرية الكافية. كذلك يحتاج عدد الحلقات الثلاثيني إلى تواتر في الحدث بطريقة أكثر تسارعاً، بخاصة أنّ مفردات هذه الدراما تسمح لأصحابها أن يجودوا بمخيلة خصبة. إلى جانب ذلك، ظهرت بعض المشاهد القتالية البطولية لسلطان الليل لاحقاً بطريقة كرتونية مضحكة كأنه «زورو المثقّف» وقد وصلت «الشبرية» إلى خصره فاستلّها بيمينه وهرع إلى صفوف الكومبارس التي اصطفّت أمامه بانضباط صارم وترقّبت أن يجهز عليها تباعاً، لينال رضى وقلب «جنية الحب». رغم كل ذلك، يبقى المسلسل من أفضل البضاعة السورية المنهكة هذا الموسم.

«قناديل العشاق»: 19:00 على «الجديد»