القاعدة العامة لنقد أيّ عمل فني لا تأخذ في الاعتبار ظروف إنتاج هذا العمل، أي أنّ الناقد ينتقد المادة المعروضة على الشاشة. لا تعنيه ميزانية العمل، ولا صعوبة إيجاد أماكن التصوير المطابقة للحقبة الزمنية. هو يحكم على ما يراه على الشاشة. إلا أنك عزيزي القارئ في نقد مسلسل «بلاد العز»، يجب أن تراعي كل هذه النواحي للخروج بانطباع نهائي.


مكث مشروع «بلاد العز» في أدراج «مركز بيروت الدولي للإنتاج» أربع سنوات حتى أبصر النور أخيراً. واجهته عقبات وعثرات كثيرة، بدءاً من نص محمد النابلسي الذي أعاد كتابته وأجرى تعديلات عليه أكثر من مرة لدواعي مختلفة: مرة بسبب اعتراضات بعض العائلات البقاعية على عدم ذكر أحد أجدادهم. وأمام تصاعد اللغط، تم تغيير أسماء الشخصيات لتجنب الإحراج، فتحول اسم الثائر يوسف حمية إلى «معين»، وأبو علي ملحم قاسم إلى «محسن»، وزين جعفر إلى «عارف»، وفؤاد علامة إلى «ماجد»، وتوفيق هولو حيدر وآخرين إلى فلان وفلان... ومرة أخرى ليلائم حجم المبلغ المرصود لإنتاج هذا العمل، فتم حذف بعض المشاهد وإلغاء خطوط درامية كي يبصر المسلسل النور، مما أثر على مسار بعض الشخصيات الرئيسية حيث نراها في بداية العمل تحتل مساحة كبيرة وهي دينامو الأحداث، وإذا بها تصبح في الحلقات الأخيرة هامشية يقتصر دورها على ترديد الهتافات، وهذه إحدى ثغرات النص.
كان «مركز بيروت الدولي» أمام تحدي إنتاج هذا المسلسل في ظلّ الحصار المفروض على قناة «المنار» (إنزالها عن قمري «عربسات» و«نايلسات») وبالتالي خسارتها عدداً كبيراً من مشاهديها خارج لبنان وحتى داخل لبنان ممن يعتمدون على موزعي الكابل لمشاهدة القناة. هكذا، لجأت إلى صفحات التواصل الاجتماعي لتعويض ذلك. وكان التحدي أيضاً لدى جميع العاملين في هذا العمل من جهة إنتاج أو من فنيين وممثلين هو أن يبصر العمل النور مهما كان الثمن. لذلك، يمكن القول بأنّ العمل أنجز بكمية حب كبيرة غطت على كل ما واجه هذا المسلسل من صعوبات.
أولى الصعوبات تمثلت في إيجاد الأماكن المطابقة لتلك الحقبة (1925) في ظلّ التغير الكبير الذي حدث في لبنان، فتكاد لا تجد متراً واحداً ليس فيه عامود كهرباء أو طريق اسفلت أو بنايات كبيرة. حتى في القرى التي يفترض أن تحافظ على طابعها الريفي، أصبحت الأبنية أربع طبقات وما فوق، إضافة إلى تناقص الأشجار إلى حدّ الانقراض وغزو الإسمنت للطبيعة. فمثلاً، احتاج تصوير مشهد على غدير ماء، بحثاً لأكثر من شهر لإيجاده. وعندما لم يوفقوا، لجأ المخرج إلى حيلة تصوير أحد مخارج الآبار الارتوازية في سهل البقاع عبر زاوية معينة وتضييق الكادر كي لا يظهر ما يوجد في خلفيته وعلى جوانبه. حجم اللقطات الضيقة فرض نفسه على عمل المخرج ليتجنّب إظهار الحداثة الموجودة في كلّ مكان.
الصعوبة الثانية تمثّلت في الميزانية المحدودة جداً لنوع مماثل من الأعمال، فكان الشعار الأزلي «جود من الموجود» هو الطاغي. رغم أن هذا القول لم يكن يضيره الاستعانة بمدقق لهجات لتمكين بعض الممثلين من أدائهم بشكل صحيح بدل اللجوء إلى الاجتهادات الشخصية كما فعل الممثل عمار شلق (محسن) فجاء نطقه أحياناً لبعض الكلمات كاريكاتورياً. بعض الممثلين الآخرين لم يوفق أبداً بأدائه للهجة، والبعض الآخر لم يوفق حتى بأدائه للشخصية ككل وليس فقط اللهجة.


يسجل له تمسكه بتضمين
أعماله رسائل عن الكرامة
والعزة والمقاومة

رغم أنّ هذا هو العمل الأول الذي يوقعه عاطف كيوان كمخرج، إلا أنه أظهر براعة لافتة في جمال الصورة ومعالجة النص الذي كان في قسم كبير منه يحمل رسائل مباشرة لا تخلو من الإطالة والحشو. برع كيوان في تظهيرها بطريقة جميلة تبعد المشاهد عن الملل، كما حصل في مشهد رسالة سلطان باشا الأطرش إلى فعاليات وثوار بعلبك الهرمل. إذ جاء الإخراج رائعاً يصلح معه أن يقدم المشهد كفلاش منفصل يبث بشكل دوري.
كما يسجل له إيجاد الحلول لمشاكل مستعصية في ظلّ الميزانية المحدودة جداً. كان واضحاً كمية الحماسة والتعب والكفاح ليبصر مولوده الأول النور في زمن قياسي. واللافت كان كمية الحب التي صنع فيها هذا العمل من الجميع، رغم ضيق اليد والوقت القياسي الذي أُنجز فيه. إلا أن تحدي إخراجه للنور وإيصال رسالته إلى المتلقي كان هو الطاغي. كان الجميع مؤمناً أنّ ما يفعله هو نوع من أنواع المقاومة، كأنه يجاهد على إحدى الجبهات... إضافة إلى الإحساس العالي الذي طبع غالبية المشاهد فنجح في أن يصل أحياناً إلى المشاهد واصطدم أحياناً كثيرة بضعف أداء بعض الممثلين.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا على المخرج: على أي أساس تم اختيار بعض الممثلين لأداء بعض الأدوار؟ هل هو من اختارهم أم فرضوا عليه أم ماذا؟
ضعف الأداء واضح جداً، وقد أضعف كثيراً من قوة المشاهد. يكفي أن نتخيل هذه المشاهد مع ممثلين آخرين وبأداء مختلف. كم كان رفع ذلك من مكانة المسلسل؟ من هنا أتوجه بنداء إلى «مركز بيروت» بأن التمثيل ليس «شغلة اللي ما الو شغلة» أو من يحب الظهور على الشاشة، هناك العديد من خريجي معاهد التمثيل الذين يحتاجون إلى فرصة بإمكانكم الاستعانة بهم. وهذا الكلام لا يعفي المخرج من مسؤوليته عن انتقاء الممثلين وعن القبول بهكذا أداء.
إلا أنّ «بلاد العز» شهد أيضاً على عبقرية بعض الممثلين وأدائهم المبهر، مثل أحمد الزين بأدائه الساحر لشخصية «نظمي بيك»، إذ تألق بشكل أخاذ، وراح يلعب بكل حواسه وكاميرا عاطف كيوان تتجول على معالم وجهه، وعينيه، وحاجبيه وفمه. كان يفيض منها الإحساس. ربما هذا الدور هو أجمل ما لعبه أحمد الزين في حياته.
وكان هناك أيضاً الفنان سمير شمص الذي أبدع بأدائه حدّ التألق وبيار داغر القدير والجميل دوماً، وعمار شلق الذي أعطى للعمل هيبة ولو خانته اللهجة أحياناً، وجان قسيس الذي فاض بالأحاسيس، وجمال حمدان، وختام اللحام، وعلي منيمنة، وحسام الصباح، وسعد حمدان، وعبدو شاهين، وحسن فرحات، وروزي الخولي، وسارة قصير بأدائهم الرائع.
وكان سامي أبو حمدان (عبد الله) بحضوره الجميل رغم ارتباكه الواضح من اللهجة التي قيّدت إمكانياته بشكل كبير، إلا أنّ هذا لا يمنع من استشراف مستقبل باهر له.
أما نجم العمل وجوهرته بدون منازع، فكان الممثل سعيد سرحان (رزوق) بأدائه المبهر والعبقري الذي يعطينا درساً بأن التمثيل ليس حفظ الجملة وتسميعها أمام الكاميرا. التمثيل هو إحساس وخلق شخصية ولبسها والاهتمام بأدق تفاصيلها: مشيتها، طريقة كلامها، حركاتها، ملابسها، ومفرداتها. كل هذا أتقنه سعيد سرحان وأكثر.
في العودة إلى النص، لا شك في أنّ محمد النابلسي هو من كتاب الدراما الذين يحملون هماً وطنياً وأخلاقياً واجتماعياً. وفي «بلاد العز» بدا جلياً هذا الهمّ، فلم يكتف بكتابة هذا التاريخ بل ذهب إلى أرض الواقع متنقلاً من قرية إلى أخرى، يسجل القصص والشهادات من فمِّ أحفاد هؤلاء الأبطال وهذا يُسجل له. ويُسجل له أيضاً تمسكه بتضمين أعماله رسائل عن الكرامة والعزة والمقاومة والوحدة في هذا الزمن الرديء. إلا أنني أعتقد أنّه يجب أن يعمد إلى الكتابة بطريقة مختلفة، فالعصر عصر الصورة وليس عصر الكلام، أي الابتعاد عن المطولات الخطابية ما أمكن.
لا بد لنا في النهاية إلا أن نقدر عالياً جهود «مركز بيروت الدولي» ورسالته الفنية التي تسعى لحفظ تاريخ وهوية بلادنا، ولبث قيم العزة والكرامة وروح المقاومة، رغم كل الحصار والتضييق ومحاولة الخنق الإعلامي لإخفاء هذا الصوت. يخرج «مركز بيروت» من تحت هذا الحصار ويضرب يده على الطاولة بأن «نحن هنا. لا يمكنكم خنقنا، وإننا وبإمكانات متواضعة أنجزنا عملاً نجح بحصد نسبة متابعة لا بأس بها رغم كل الحصار المفروض علينا. سنبقى شعلة المقاومة وجذوتها».
يحقّ للمخرج عاطف كيوان أن يفتخر بإنجازه الأول. رغم كل الظروف الصعبة، تمكن من إخراجه على نحو مشرف ويستحق كل التقدير هو وفريق عمله المساعد. فكان «بلاد العزّ» يوم عزّت البلاد.
ممثل لبناني