يأخذنا فيلم «آخر أيام المدينة» (إخراج تامر سعيد ـ تأليف رشا السلطي وتامر السعيد)، بعد دقائق قليلة من بدايته، في متاهة من الحكايات التي تلتفّ على بعضها، تتقابل، ثم تتقطع وتصطدم. الحكايات ليست متتالية، ولا تبدو للوهلة الأولى مرتبطة ببعضها بوضوح، ولكنها قبل أن ينقضي الثلث الأول من الفيلم، تكون قد نسجت حول المتفرج شبكةً لا يستطيع الفكاك منها، متاهةً ما أن يقترب من مخرجها حتى يجد نفسه يبدأ من جديد.


الحكايات كلها حزينة، ولكن الحزن الذي تتسم به من ذلك النوع الذي لا يدفع إلى البكاء، وإنما يقبض القلب ببطءٍ وعمداً، حتى تأتي تلك اللحظة التي لا يستطيع فيها المتفرج التنفس.
تدور هذه الحكايات حول خالد، مخرج الفيلم وبطله، ويدور هو فيها، محاولاً العثور على الموضوع الأساسي للفيلم الذي يصنعه، وفي استعارة موازية يبحث عن شقة لينتقل إليها. الاثنان صعبا المنال: الشقة المكونة من غرفة وصالة التي تشبه صورة محددة في ذهنه، والفيلم الذي يريده، والذي لا يستطيع أن يقرر ما إذا كان فيلماً عن أسرته وطفولته، أم هو فيلم عن مدينته وحكاياتها. يبدو خالد معظم الوقت حائراً تائهاً، يلفّ في الشوارع طوال الوقت في حركة لا تهدأ إلا قليلاً بجوار سرير أمه في المستشفى، ليعود مرة أخرى إلى الدوران.


جيلٌ مسجونٌ فعلياً أو معنوياً في مدنٍ مدَمَّرةٍ وقاتلةٍ


تقول حنان يوسف في مشهد بعد بداية الفيلم بدقائق، موجهة حديثها إلى ممثلة تقوم بتدريبها: «الأهم من الحفظ في الحكايات إن خيالك يبقى شغال، تبقي شايفة الصور. لو إنتي شايفة الصور كويس، الجمهور ها يشوفها كويس ... اللي بيسمع، بيرسم، بيعمل الديكور ويرسم الشخصية، بيشم الريحة». ربما كانت هذه الجمل مفتاحية للتعامل مع الفيلم، وربما تكون موجهةً أيضاً إلى المتفرج: «أنت مشاركٌ في صنع الحكايات». إذا تاه المتفرج في وسط الحكايات، عليه أن يعيد ترتيب خطواته، ليجد طريقاً آخر. هذا التيه، الذي يعززه أن معظم مشاهد الفيلم هي حركة سريعة في شوارع متشابهة، يخلق إحساساً لدى المتفرج بالاختناق والرغبة في إيجاد مخرج من هذه المتاهة. قد لا تكون صدفةً أن الفيلم يحمل تاريخ «ديسمبر ٢٠٠٩» السابق بعامٍ واحد على أجرأ محاولة للخروج من المتاهة.
ليس من الصعب على المشاهد أن يتورط في صنع حكاية فيلم «آخر أيام المدينة»، فكل العناصر موجودة وحيّة ومتاحة للخيال والتفكير. يمكن للمشاهد أن يصنع هذا الفيلم وهو يشاهده بأكثر من طريقة: يمكنه أن يهتم أساساً بشخصية خالد المترددة والعنيدة في الوقت نفسه، وأن يتتبع فشل علاقته بليلى واحتضار أمه، وتعثره في صنع فيلمه والعثور على شقة يسكنها، أو يمكنه أن يركز اهتمامه على حال القاهرة، وصورها الفاتنة المرعبة، وتناقضاتها المضحكة المبكية، أو يمكنه كذلك أن يفكر في الإطار السياسي والاجتماعي للفيلم ويحلل الدلائل الكثيرة في الفيلم على حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي والعنف المختزن والطافح في ممارسات الشرطة والمجتمع. هذه الاحتمالات وغيرها ممكنة، فطريقة السرد التي يتبعها الفيلم فيها أقل حدّ ممكن من الالتزام بسردية واحدة. ليس معنى هذا على الإطلاق أن الفيلم غير مترابط أو ممل، على العكس تماماً، فكل سردية لها منطقها المتماسك، ويمكنها الالتقاء بالسرديات الأخرى بسهولة. «آخر أيام المدينة» ليس فيلماً مسلياً ولكنه فيلم ملزم، لا يمكن للمتفرج أن يسمح لنفسه بأن يشعر بالملل خلال مشاهدته.
هذه الطريقة في السرد السينمائي هي أهم سمات الفيلم، وهي التي تجعل منه علامة هامة حقيقية في مسيرة السينما المصرية. لا يعني هذا أن الفيلم يجب أن يكون سابقة تتبعها أفلام أخرى بنفس الطريقة، ولكن يكفي أنه يقترح طريقة جديدة لصناعة فيلم روائي، وأنه نجح في أن يجعل هذه الطريقة ممتعة ومثيرة للخيال.
الملمح الفني الثاني الهام في الفيلم، هو استخدام أسلوب الأفلام الوثائقية. ورغم أن الفيلم لا ينفرد بهذا الملمح، فهناك تجارب كثيرة ناجحة في السينما العربية والعالمية فعلت نفس الشيء. ولكن ربما يكون تميّز الفيلم في هذا الاتجاه، هو عبر المزج بين الوثائقي والروائي في الشخصيات نفسها: شخصية خالد ربما تكون شخصية تامر السعيد مخرج الفيلم، فأمه في الفيلم هي أم تامر الحقيقية، وقصة والده حقيقية، ولكن «خالد» لديه قصصه الأخرى المتخيلة، ونفس الشيء تقريباً بالنسبة إلى شخصيات حنان ومريم وعلي وباسم وليلى، وحتى حسن وطارق اللذان اختار كاتب السيناريو أن يغير اسميهما الحقيقيين. وتأتي ذروة المزج بين توثيق الواقع وسرد المتخيل سينمائياً في فكرة الفيلم نفسها: طوال الفيلم، يبحث المخرج، ومعه المونتير نافذ الصبر والمصور المتذمر، عن موضوع الفيلم! هذا البحث واقعي وحقيقي، وهو في نفس الوقت متخيل نراه على الشاشة في سياق روائي.
ككل الأفلام الهامة، ليس فيلم «آخر أيام المدينة» خالياً من النقائص، فهنا وهناك كان يمكن الاستغناء عن مشهد ربما أبقاه المخرج لأنه وقع في غرام صورته، أو لأنه يصور حادثة طريفة لم يطاوعه قلبه على تركها خارج الفيلم، وهنا وهناك وُضِع مشهد في مكان قلق عطل فيه لثوان إيقاع الفيلم، ولكن لا يمكن أن يفوت المتفرج هذا الحرص على أن يكون الفيلم «جميلاً» بمعنى الكلمة. بالإضافة إلى التصوير البديع والنادر وجوده في السينما المصرية، وبالإضافة إلى شريط الصوت الذي يستحق وحده مقالاً من ناقد موسيقي متخصص، ويلفت فيه على الأخص استخدام الصمت، وجلاء وإتقان الموسيقى الآلية المسجلة وقدرتها على أن تتحول إلى عنصر شبه بصري، وبالإضافة إلى التصور الفني العام للفيلم، هناك أيضاً هذه التفاصيل الموحية المتكررة والمطرزة في الفيلم من بدايته إلى نهايته: زهور القرنفل البيضاء، النار، الطيور التي تجوب السماء، المانيكانات في فاترينات المحلات، نشرة الأخبار المنبعثة من الراديو. هذه التفاصيل موضوعة تماماً في أماكنها كمفاتيح لطرق قد يسلكها المتفرج في سعيه للخروج من المتاهة، أو لتذكيره بطرق قد سلكها بالفعل من قبل.
في الفيلم مشهدان يستحقان ذكراً منفصلاً: مشهد لقاء الأصدقاء الأربعة: خالد، باسم، حسن وطارق، الذي ينتهي بالدوران فجراً في سيارة نصف نقل في وسط القاهرة. عبر الحوار الشجي الذي يتبادله الأصدقاء الأربعة من شرفة تطل من علوّ فوق ميدان التحرير، تنفتح أمامنا الهوة: جيلٌ مسجونٌ فعلياً أو معنوياً في مدنٍ مدَمَّرةٍ وقاتلةٍ في الوقت نفسه. ماذا نملك أمام القبح والتدمير والقتل؟ لا شيء. حتى اللجوء إلى أوروبا لا يستطيع أن يفك أسرنا. في هذا المشهد الرائق، تتركز خلاصة يأس صانعي الفيلم وشخصياته الرئيسية: نحن هنا، ولا مفر.
المشهد الثاني هو حكاية حنان لقصة والدتها، اعتماد، وتدمير بيتها في الاسكندرية. يبدأ المشهد برفق مع سلم البيت وغرفه الأليفة الواسعة، ووجه اعتماد العجوز الجميل، وبعد هذه المقدمة الحنون، تأتي مباشرة، وبخشونة صادمة، مطارق الهدم. كان استخدام أغنية «يا جارة الوادي» من ألحان محمد عبد الوهاب وغناء نور الهدى من دون مصاحبة موسيقية في هذا المشهد موفقاً جداً لتخفيف صدمة الهدم وتعميق الإحساس بالفقد والخسارة.
ليس واضحاً ما إذا كان فيلم «آخر أيام المدينة» سيعرض في المدينة التي يحكي عنها: القاهرة، بعدما رفض «مهرجان القاهرة الدولي للسينما» عرض الفيلم بتفسيرات تبدو متناقضة لقرار عرض الفيلم ثم العودة عن هذا القرار. من وقتها، تحاول مجموعة من الموزعين المستقلين عرض الفيلم في مصر، لكن هناك حائط غير مرئي أقامته أجهزة الدولة يعترض هذا المسعى، فليس هناك منع رقابي ولا موافقة رقابية، وإنما دوامة من الإجراءات المظللة بالتهديد الصريح أو الخفي ضد صناع الفيلم. ومن المؤسف فعلاً ألا يُعرض هذا الفيلم في مصر، ليس فقط لقيمته الفنية الكبيرة، وانما حتى على سبيل «الفخر القومي» في وقت تعزّ فيه أسباب هذا الفخر، فهو حصد منذ عرضه الأول في «مهرجان برلين السينمائي» عدداً من الجوائز الدولية الهامة منها جائزة الكاليجاري في هذا المهرجان، والجائزة الكبرى وجائزة لجنة تحكيم الشباب لـ «مهرجان نانت لسينما القارات الثلاث»، وجائزة أحسن مخرج في «مهرجان بوينس أيرس الدولي»، وأحسن فيلم في «مهرجان الفيلم العربي» في سان فرانسيسكو، والجائزة الكبرى لـ «مهرجان نيو هورايزون» في بولندا. عرض الفيلم في مهرجانات عربية ودولية عديدة، تلاها العرض التجاري الأول في المنطقة العربية في «سينما متروبوليس» في بيروت، وسيليه قريباً العرض التجاري في فرنسا ثم بريطانيا، لكن أمر عرض الفيلم في مصر ما زال في أيادٍ خفية.
ربما لن يعرض «آخر أيام المدينة» في مصر قريباً، وبالتالي سيُحرم من مشاهدته الجمهور العادي الذي قلّما تتاح له فرصة اختبار تجارب فنية غير تلك التجارية السائدة، ولكن الأكيد أن الفيلم سجّل مرجعية فنية هامة في صناعة السينما في مصر والمنطقة العربية، وسيكون له تأثير على ذائقة صناع الأفلام الشبان مستقبلاً. من المؤكد كذلك أن الفيلم سيتاح يوماً للمشاهدة عبر الإنترنت لكل الناس، رغم الحجب والتجاهل، وساعتها سيجتذب عدداً أكبر كثيراً من المشاهدين مما تتسع له دور السينما العادية، مثله في ذلك مثل كل ممنوع.

*كاتبة مصرية وناشطة ثقافية