عدنان (رودريغ سليمان)، شخصيتنا الرئيسية، موظّف وكالة سفر، نتعرف إليه في بداية الفيلم رجلاً ملمّاً بشؤون السياحة. تتخذ ملامح وجهه مظهراً حالماً كلما بدأ الحديث عن بلد ما لأحد زبائنه. من شوارع باريس إلى مطاعم نيويورك، يعرف عدنان تفاصيل تلك المدن ولا يتردد في إسداء النصائح بدقة تامة.


ولكنه لم يسافر يوماً في حياته، وهذا ما نفهمه من مدير الوكالة الذي يضطر إلى إرساله مكانه إلى باريس بعدما تعذّر عليه حضور مؤتمر مهم جداً هناك بسبب تعرضه لحادث. تبدأ أحلام عدنان بالتحقق حتى قبل أن يصعد إلى الطائرة. الغناء الفرنسي في السيارة ينقله بعيداً على سحابته، وفجأة زحمة بيروت الخانقة وشتائم السائقين لا تعود تؤثر فيه. يغادر عدنان زوجته وابنه، وقد بدا واضحاً أن حياته معهما باتت روتينية. إلا أن رحلته التي تنطلق بزخم وإيجابية واكتشافات، تتحوّل تدريجاً رحلة باطنية في ذاته وتأملاً في مسائل جوهرية في حياته.


على الرغم من موضوعه
الدرامي، إلا أنّ الشريط
حافل بالكوميديا

تنقّل المخرج هادي غندور من بلد إلى آخر خلال تلقيه الدراسة، وعاش بين أميركا ولندن. عمل في تلفزيون «الحرة» على أفلام وثائقية، كما أخرج بعض الأفلام القصيرة، ولكن هدفه الأول كان إنجاز فيلم طويل، فكان «المُسافر» (100 د) باكورة أعماله. لا شكّ في أن تجارب السفر التي رافقت مساره أدت إلى إنجاز هذا الفيلم. في مقابلة معه، يخبرنا: «سافرت طوال حياتي. ولكني أشعر في النهاية دائماً أنني لبناني. أردت تصوير فيلم عن أشخاص لم يسافروا في حياتهم، والفيلم مبني على شخصية أعرفها لم تغادر بلدها يوماً. عندما كنت في أميركا، تعرّفت إلى لبناني يعيش مع زوجته وأولاده وكانت تلك المرة الأولى التي يسافر فيها. كان متحمساً جداً كأن أبواب الجنة فُتحت أمامه. ولكنه تعرّض لاحقاً لصدمة ثقافية وضاع. فبدأت أهتم لهذا النوع من الشخصيات. السفر يمكنه أن يضيّع الإنسان، خصوصاً في المرة الأولى». ويضيف من جهة أخرى: «لديّ الكثير من التساؤلات. فأنا لبناني ولكنني أسكن في الخارج أيضاً. هذا يزعزعني. أشعر أنني لبناني في لبنان، وعندما أذهب إلى الخارج أشعر أنني أميركي أو فرنسي. يؤثر ذلك أيضاً في طريقة تعاملي مع العائلة والغيرة والعشق».
هو فيلم يتناول أوهامنا ومكبوتاتنا التي تقودنا غالباً إلى الخيبات أكثر منه موضوع السفر بذاته. أما باريس، فكان بالإمكان استبدالها بأي مدينة أخرى في الفيلم قد يحلم شخص، مثل عدنان لم يصعد في الطائرة يوماً في حياته، أن يزورها. بمعزل عن اللغة الفرنسية ومقاهي باريس الخارجية، لا نرى الكثير من هذه المدينة. وبهذه الطريقة يتجنب المخرج الوقوع في فخّ رسم الصورة السياحية التقليدية الكليشيه لعاصمة الأنوار. إلا أن قيم هذه المدينة نجدها في شخصية ليلى (دنيا إيدن) ابنة نسيبة عدنان إنصاف (عايدة صبرا) التي تسكن باريس منذ سنوات بعد تخلي زوجها عنها. ليلى مندمجة تماماً مع الإطار المتحرر والثقافي لباريس، إذ ترعرعت هناك، على عكس عدنان الذي يجد صعوبة في الخروج من تحفّظه والانخراط في هذه الحياة الجديدة التي يحلم فيها. حتى إنصاف ــ وعلى الرغم من تواجدها هناك لسنوات طويلةــ ما زالت تجد صعوبة في التكيّف مع حياة باريس ووحدتها الشخصية. يستخدم المخرج موضوع السفر والسياحة ليذهب إلى موضوع صدام الحضارات وخيبة التوقعات: «السفر يقدمّ، ويعلّم أموراً، ولكنه ليس سهلاً. أحياناً تصطدم التوقعات بالحقيقة، وهذا ما أردت أن أصنع فيلماً حوله. المسافر هو أكثر من سفر جسدي، هو سفر في العقل، رحلة باطنية. هو رجل يسافر في أحلامه وأفكاره ورغباته وعائلته وندمه وهويته. هو سفر بالإحساس. كان يمكن أن يحدث في أي بلد آخر». عندما يجد عدنان نفسه محاطاً بمجموعة فرنسيين يناقشون مسائل أدبية وثقافية، يشعر فجأة أنه دخيل على الجلسة خلال عشاء مع ليلى وأصدقائها. الفكرة التي يملكها عن فرنسا ويبيعها في وكالته السياحية، ليست تماماً ما لديه أمامه، وهي أول صدمة من سلسلة خيبات ستلقي بظلالها على رحلته المرتقبة. ولعل العلاقة بين التوقعات والحقيقة هي الفكرة الأساسية التي بنى عليها غندور عمله: «لم أشأ أن يكون فيلماً عن السياحة، بل هي رحلة داخلية. فلا يظهر برج إيفل مثلاً إلا بطريقة غير مباشرة وفي نهاية الفيلم. تجنبت تصوير المعالم السياحية لأركز على الشخصيات».
من ناحية أخرى، يخلط المخرج بين الموضوع الدرامي والكوميديا. على الرغم من موضوعه الدرامي، إلا أنّ الشريط حافل بالكوميديا، سواء في المواقف الفكاهية التي تجد شخصية عدنان الساذجة نفسها فيها أو في تعامل قريبته إنصاف معه. حول ذلك، يشرح المخرج: «الفيلم فيه دراما، ولكن الكوميديا التي تنجح هي تلك المرتبطة بالدراما. حاولت أن أتلاعب بهذا المزيج. على أي حال، الحياة التي نعيشها مبنية على هذا المزيج». أسند غندور دور إنصاف الى عايدة صبرا، وقد كتب لها الدور كما يؤكد. فهي في نظره ممثلة استثنائية ويعرفها منذ زمن. أما رودريغ سليمان، فتعرف إليه قبل ثلاثة أشهر من بدء التصوير، وعلم منذ الدقائق الخمس الأولى أنه ملائم للدور. كما أنّ التناغم بين الممثلين كان تاماً وأضفى كل منهما من شخصيته إلى الدور.

«المسافر» لهادي غندور: «فوكس» (01/285582) ــ «أمبير» (1269) ــ «غراند سينما» (01/209109)