هناك الكثير مما قد يجمع مدينتين. وفي حالة بيروت وبرلين تحديداً؛ أول ما قد يتبادر إلى الذهن فوراً هي الجدران المرئية واللامرئية التي قسّمت المدينتين إلى شطرين شرقي وغربي. يقوم مشروع «حدود غير مرئية: بيروت ــ برلين» على تشابه ماضي المدينتين، وتداعيات الحدود على الحياة الاجتماعية والعمرانية والجغرافية الحالية، رغم انقضائها ظاهرياً. بدعم من مؤسسة «هينرش بُل - الشرق الأوسط»، نفّذت أندريا مونراس تجهيزها الفني الذي يضم ثلاثة فيديوهات ووثائق صحافية وخرائط ومقابلات، تعرض في فضاء «مانشن» (زقاق البلاط ــ بيروت) حتى 10 تموز (يوليو) الحالي، قبل انتقاله إلى برلين.


تجربة الفنانة الإسبانية التي عاشت في المدينتين، لفترات متفاوتة، دفعتها للربط بين خط التماس الطائفي في بيروت الحرب الأهلية، وذلك السياسي في برلين الحرب الباردة، رغم الاختلافات الجوهرية بين المدينتين. يستند المشروع إلى تجربتها الشخصية المعاشة إلى جانب الأبحاث البصرية والنظرية، التي تراوح بين الماضي والحاضر.
أما الحدود التي انجلت منذ عقود، فتبقى غائبة طوال المعرض، أمام محاولات الفنانة استحضارها بالتعاون مع المخرج ألفونسو مورال ومصممة الديكور والغرافيك ميرين أولر.


معاينة تداعيات الحدود
على الحياة الاجتماعية
والعمرانية والجغرافية


في بحثها عن الحدود السابقة واللاحقة، تحاول مونراس التقاط النتائج التي خلّفتها الانقسامات المناطقية في بيروت وبرلين على الأمكنة وحيوات سكانها. تلصق أحاديثهم على الجدران، وحكاياهم وتجاربهم الشخصية خلال فترة الانقسام. في أحد الفيديوهات، تواصل مونراس عملها التوثيقي في التنقيب عما خلّفته هذه الحدود. تجري مقابلات مع أجيال مختلفة من اللبنانيين والألمان ممن عايشوا الحدود، ومن الجيل الجديد الذي بنى الحدود في رأسه، بالاستناد إلى القصص التي سمعها من الآباء. بين حالة الإنكار، وحالة الحضور الدائم، يحمل كل منهم نظرة مختلفة عن الماضي القابع خلف الجدران. الانقسامات متجّذّرة، وهي قابلة للظهور مجدداً. يرتكز فيديو «المدينة» إلى هذه الفكرة بالتحديد. تجول الكاميرا بين بيروت وبرلين، على الأبنية والشوارع، والناس والبحر. تعيد مونراس الحدود مجدداً بضربة ريشة خضراء أو بالشريط الأخضر الذي يصل بيروت المدينتين، ويقسمهما في الوقت نفسه ويحيلنا إلى الشروخات التي تتربص بمستقبلهما.
يشدد المعرض على هذه الفكرة من دون الإيغال فيها، أو إشراك المتفرج بها. تسعى الكاميرا في دورانها، إلى البحث عن شيء ما، شيء باق منذ ذلك الوقت أو شيء أعادته السنون. باستثناء الحدود، أو حالات القلق التي تتبدى في أحاديث المتكلمين، لا تدلنا الكاميرا على ما قد يجمع المدينتين. لا تلتقط شيئاً مما يتلطى خلف صورة المدينة الخارجية. تعجز معظم أعمال المعرض عن ملامسة تساؤلات الفنانة في تتبعها مسارات هذه الحدود، خصوصاً مع غياب رؤية واضحة تتكئ عليها. يبدو محتوى المعرض كمواد بحث ووثائق لفكرة أولية لم تتبلور بعد. جمعت مونراس جرائد وصحفاً لبنانية وألمانية، تعود إلى فترات مفصلية من تاريخي المدينتين. يشكّل المعرض استعادة للماضي عبر الوثائق مثل باسبوري البرلينيتين المختلفين، فيما يحاول الوصول إلى الحاضر. بعد ثلاثين عاماً، صارت الباصات اللبنانية تسير على خطوط التماس، ووسائل النقل الألمانية تسير على طول جدار برلين كما نشاهد في فيديو «عبور المدينة». عبر المونتاج، يصل الفيديو بيروت وبرلين في مشاهد متواصلة. وهذا ما يكمل ما رمت إليه الفنانة في معظم الأعمال التي جمعت فيها المدينتين بشكل «غير مرئي».

«حدود لامرئية: بيروت ــ برلين»: حتى 10 تموز (يوليو) الحالي ــ «مانشن» (زقاق البلاط ــ بيروت). للاستعلام:
[email protected]