صحراء التجربة

يهيأ لي أن غسان كنفاني بنى روايته «ما تبقى لكم» وفي ذهنه حادثة تجربة الشيطان الشهيرة للمسيح. فقد قاد بطله حامد إلى الصحراء كما قاد الرب، أو الروح القدس، المسيح إلى برية التجربة: «وكان [المسيح] يُقتاد بالروح في البرية، أربعين يوماً يُجرّب من إبليس» (لوقا 4: 1-2). غسان أيضاً «قاد»، وبوضوح، بطله إلى الصحراء كي يختبره ويمتحنه. كي يعمده بالتجربة.
ثمة مؤلف، وثمة إله. وكل منهما يدفع ببطله إلى الصحراء دفعاً، كي يواجه شيطانه. فمن دون الشيطان لن يصير «يسوع» مسيحاً، ومن دونه أيضاً لن يصير «حامد» بطلاً. العدو عند غسان هو الشيطان. وهذا الشيطان سيختبر «حامد». سيختبر قدرته على المواجهة وعلى التماسك. وهو لن يكون بطلاً إن لم يصمد للتجربة. بل لن يكون إنساناً حقيقياً إن لم يفعل. بهذا المعنى، فثمة «إرادة عليا» كانت تقود حامد لكي يجرب في الصحراء. والرواية لا تخجل من هذا في ظني. بل لعلها تفاخر به. لعلها تفاخر أنها بعثت، مصممة، مسيحها إلى البرية، إلى الصحراء.

غير أن مواجهة مسيح غسان للشيطان كانت بلا لغة كما الحال في مواجهة المسيح. اللغة لم تكن ضرورية: «قلت له: لا تستعمل صوتك... إنني لن أفهم حرفاً واحداً مما تقول. وليس هنا من يفهم حرفاً مما تقول. فلم تضيع وقتك؟». بذا فلم يكن بإمكان شيطان حامد أن يطرح على حامد أسئلة عن الخبز أو غيره، كي يرد عليه: «إنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان». فالجواب الذي يملكه في مواجهة الشيطان كان مقبض السكين بيده. لم يكن غسان بحاجة إلى الجدال مع الشيطان. ترك الجدال لرواية «عائد إلى حيفا»، التي هي رواية جدال بامتياز. أما الجدال الفعلي لحامد فقد كان مع نفسه. كان ينتصر على ذاته، على خوفه، وعلى تردده. وكان انتصاره مقدمة لانتصاره على الشيطان في الصحراء.
على كل حال، لم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي يقود فيها غسان أبطاله إلى الصحراء. فقد فعل ذلك في «رجال في الشمس» (1963) أيضاً. لكن أبطال هذه الرواية لم يكونوا «أبطالاً» حقيقيين عند غسان. كانوا أبطالاً روائيين، لكنهم يكونون أبطالاً لكنفاني. لم يكن غسان قد وصل بعد إلى اختراع البطل. كانت لديه فكرة البطولة، لكن بطله لم يكن قد ولد بعد كي يرتديها. لو كان هناك بطل لما كان هناك من ضرورة لطرح سؤال: «لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟». وجود السؤال كان دليل غياب البطل. والسؤال كان سؤال غسان لا سؤال أبي الخيزران. غير أنه اضطر إلى أن يضع هذا السؤال على لسان أبي الخيزران، الذي كان في الواقع بطلاً مضاداً، يشبه زكريا في رواية «ما تبقى لكم». وقد وضعه على لسانه لأن الكل كانوا أمواتاً تحت شمس الصحراء الحارقة. وهكذا نطق البطل المعاكس بالسؤال المرير.
أما في رواية «ما تبقى لكم» (1966)، فقد خلق كنفاني بطله. «صممه» بيديه، كي يرد على السؤال. لم يكن قادراً على انتظار ميلاد البطل الواقعي كي يكتب عنه. كان مستعجلاً، فاستولد البطل بنفسه. لكن البطل البطل الحقيقي كان يقترب من أن يتخلق على أرض الواقع. ففي عام 1965، انطلقت رصاصة «فتح» الأولى، أي أنه ولد في الحقيقة يوم كان يكتب الرواية (ما تبقى لكم). وقد عرف غسان أشباه هذا البطل في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، وعايشهم كمقاتلين. لكن لم يكن لديه الوقت الكافي كي يحولهم إلى أبطال روايات. فقد نسفه الإسرائيليون. نسفوه لأنه كان على علاقة بالعمليات في الأرض المحتلة كما ألمحوا. لكن الحقيقة الأعمق أنهم نسفوه ربما لأنه «صنع» البطل المقاوم في رواية «ما تبقى لكم».
قتل غسان، غير أن البطل الذين صنعه ظل حياً.

بين بطلي كنفاني وحبيبي

مرة تتبع إميل حبيبي أخطاء غسان كنفاني في وصف حيفا وشوارعها في رواية «عائد إلى حيفا»، فوجد أن خارطة الرواية وقعت في الخطأ في أكثر من نقطة. وقد كان أمراً طبيعياً أن يخطئ المهاجر المطرود في ضبط خارطة مدينة من مدن بلده. فمهما حاول أن يستعيد المدينة، وأن يسيطر على هندستها، فستظل محاولته مليئة بالثغرات.
وكانت إحدى أفكار حبيبي المركزية في حياته هي التركيز على «البقاء» في مقابل «اللجوء». لذا طلب، فخوراً، أن يكتب على قبره: «باق في حيفا». الباقي يعرف تفاصيل الخارطة، والذي غادر لا يعرف.


جثمان إميل حبيبي «باق»
في حيفا، وجثمان كنفاني «لاجئ» في بيروت

لكن مع الأخذ بعين الاعتبار تفريق حبيبي الهام بين «الإقامة» و«اللجوء»، ورفع شأن الأولى على الثانية، فإن بالإمكان القول أن النسخة التي صنعها غسان من فلسطين، للمنفيين وغير المنفيين، كانت في الواقع أشد تأثيراً من نسخة حبيبي. فقد فتحت هذه النسخة الآفاق أمام المنفيين كي يعودوا من صحارى النفي على شكل مقاومين.
وفي روايتيهما المركزيتين، صنع كل واحد من الكاتبين بطله الخاص. حبيبي صنع «سعيد أبي النحس المتشائل»، في حين صنع غسان مسيحه (حامد) بطل «ما تبقى لكم». الأول اضطر أن يكون مراوغاً ساخراً كي «يبقى»، في حين كان على الآخر أن يكون مقاوماً مباشراً بعدما اكتشف أنه لم «يتبق» له سوى السكين.
واحد قاوم بالمراوغة، كي يبقى، وثان قاوم بالسكين كي يعود. لقد اختار كل واحد منهما السلاح الملائم لوضعه.
جثمان حبيبي «باق» في حيفا. وجثمان كنفاني «لاجئ» في بيروت...
والحكاية لم تكتمل بعد.

لوغو الجبهة الشعبية

ما زال لوغو الجبهة الشعبية، الذي صممه غسان كنفاني، يأخذ موقعه كواحد من أجمل التصميمات في حياة منظمة التحرير وتنظيماتها. ولو قارنته مثلاً بلوغو «فتح»، أو لوغو «العاصفة»، الجناح العسكري لـ«فتح»، أو الجبهة الديمقراطية، لوجدته الأشد تماسكاً، والأكثر رصانة. فهو يذهب إلى ما يريد من دون أي تشتت ولا تردد. وفرادته تكمن في أنه تصميم هندسي بسيط، يجعل من حرف الجيم، كأول حرف في اسم الجبهة، سهماً يتجه بحزم نحو فلسطين، ويخترق خارطتها. الهدف هو فلسطين، ولا شيء غير فلسطين. ولعل اسم مجلة «الهدف» الخاصة بالجبهة كان على علاقة بالشعار، أي إنهما ربما انبثقا في لحظة واحدة. فكلاهما ينطلق من فكرة «الهدف» المركزية. أما الألوان فألوان العلم الفلسطيني. نقطة الجيم أخذت الأخضر، وبدت كملعب معشب. أما السهم، فأخذ السواد وحدّته. في حين أن خارطة فلسطين حصلت على اللون الأبيض، فيما جُعل اللون الأحمر إطاراً لها.
ويعكس اللوغو بالطبع وضع الكفاح الفلسطيني وقت تصميمه. فقد كان مركز النضال حينها يقع في الخارج، بين اللاجئين ومخيماتهم. لذا فالحركة، حركة سهم الجبهة تنطلق من الخارج نحو الداخل. ولو أن غسان صمم اللوغو الآن، لكان من المؤكد أنه سيجد طريقة لتغيير وضع السهم وحركته.
مع ذلك، فإن الخارج في التصميم لم يكن خارجاً تماماً. فبياضه يندمج مع بياض خارطة فلسطين، كي يشكلاً معاً في النهاية دائرة واحدة محاطة جزئياً بالأحمر.
أما الدائرة الخارجية السوداء، فهي الإطار الذي يوحد الداخل والخارج والألوان معاً، ويمنع كل هذا من التشتت والسيلان. مضى زمن طويل وما زال لهذا اللوغو سحره. بل لعله ما زال الأجمل.
* شاعر فلسطيني